وبنتيجة الانتقادات انتقلت إلى النسق العلي فكرة الكل والأجزاء، وقد حمل هذا الانتقال معه تصويبا للعلاقة العلية، بحيث لم يعد الأمر يقف عند مجرد إثبات قيام علاقة علية بين الظاهرة ونتائجها، بل لابد من إكمال الطريق لإثبات قيام علاقة علية بين النتائج، وما تحدثه النتائج من نتائج في الظاهرة. [1] ""
هذا، ولقد تأثرت السوسيولوجيا مع سان سيمون (San Simon) ، وهربرت سبنسر (Spencer) ، وأوجست كونت (Auguste Comte) ، وإميل دوركايم (Emile Durkheim) ، بالمرحلة الوضعية التي تبنت مناهج العلوم الطبيعية أو مناهج العلوم التجريبية في القرن التاسع عشر الميلادي، بالاحتكام إلى الفرضيات، والملاحظة الخارجية، والتجريب، وكثرة الاختبارات، واستصدار القوانين والنظريات العامة. أي: يقوم علم الاجتماع الوضعي على الملاحظة العلمية الخالصة، والتجريب الدقيق، والمنهج المقارن، والاستعانة بالتحقيب التاريخي، والاسترشاد بالحتمية التجريبية القائمة على العلية والارتباط بين المتغيرات المستقلة والتابعة. لذا، كانت العلوم الطبيعية، بما فيها: الفيزياء، والرياضيات، والفيزيولوجيا، والكيمياء، مثالا ونموذجا متميزا وصالحا للاقتداء به من قبل السوسيولوجيين الوضعيين.
دعا سان سيمون (Saint - Simon) [2] إلى تطبيق المنهج الفيزيولوجي على علم الاجتماع، وسماه بالفيزيولوجيا الاجتماعية، إذ يقول:"تنظر الفيزيولوجيا الاجتماعية إلى الأفراد كعناصر في الهيئة الاجتماعية التي تعنى بدراسة وظائفه العضوية بالطريقة نفسها التي تدرس بها الفيزيولوجيا الخاصة وظائف الأفراد ... (ويجب أن نسترجع إلى ذاكرتنا الطريق الذي سلكه التفكير الإنساني؛ اتجه منذ هذا القرن إلى الاعتماد على الملاحظة، فأصبح الفلك والطبيعة والكيمياء من علوم الملاحظة) ، نستخلص من هذا بالضرورة أن الفيزيولوجيا العامة التي يمثل علم الإنسان الجزء الرئيسي منها، سوف تعالج بالمنهج المتبع في العلوم الطبيعية الأخرى، وأنها سوف تدخل في التعليم العام عندما تصبح وضعية ... لكن ما العقبة التي تعترض- حتى اليوم- قيام معرفة فيزيولوجية للمجتمعات الإنسانية؟ (إن تلك العقبة تتجلى في الصراع الذي وجد دائما ... بين"
(1) - د. عبد الله إبراهيم: علم الاجتماع (السوسيولوجيا) ، المركز الثقافي العربي، بيروت، لبنان، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الثالثة 2010 م، ص:144.
(2) - ولد سان سيمون في باريس سنة 1760، وتوفي سنة 1825 م. وقد كان عسكريا، واقتصاديا، وفيلسوفا.