يوجه بحسبها الناس فعلهم. هذا النهج هو نهج السوسيولوجيا التفهمية. يقول فيبر:"إن ما ندعوه سوسيولوجيا هو علم مهمته الفهم، عن طريق تأويل النشاط الاجتماعي." [1]
ويعني هذا أن المجتمع يتكون من مجموعة من الأشخاص الذين يقومون بسلوكيات أو أفعال أو أعمال، وهذه الأفعال هي جوهر علم الاجتماع. ويعني هذ أن مقاربة ماكس فيبر مقاربة فردية، تدرس سلوك الفرد داخل المجتمع، في إطاره التفاعلي. ويعني هذا أن الإنسان كائن واع، يتصرف عن وعي وهدف، ولسلوكه معنى وقصد، على عكس الأشياء التي يمكن إخضاعها للدراسة العلمية. هنا، ضرورة فهم العالم في ضوء أفعال الفرد، وفهم مقاصدها وأهدافها ونواياها ودلالاتها. ويستوجب فهم العالم دراسة سلوك الأفراد داخل المجتمع، ورصد دلالات الأفعال ومعانيها ومقصدياتها. ويقترب هذا من البعد التواصلي التفاعلي.
إذًا، فالعلوم الوضعية علوم تفسيرية خارجية، والعلوم الإنسانية، بما فيها علم الاجتماع، علوم روحية تفهمية، وعلوم تأويلية داخلية.
ويعني هذا أن علم الاجتماع هو دراسة التفاعل الاجتماعي بين الأفراد داخل المجتمع، وكيف يعطي الناس فهما ذاتيا للعالم، وكيف يوجهون سلوكهم في إطار هذا النوع من الفهم. أي: فهم نوايا هذا الفعل الاجتماعي وأسبابه. ويعني هذا أن منهجه قائم على الفهم بدل التفسير السببي أو العلي، كما نجد ذلك عند الوضعيين الذين ينتمون إلى المدرسة الدوركايمية. ويعني هذا حضور الذات المؤولة في الفعل الاجتماعي. ولايمكن فهم هذا الفعل السلوكي إلا في سياق تاريخي معين. ولايمكن فهم هذا السلوك الاجتماعي إلا ضمن ثقافة معينة مرتبطة بمجموعة من القيم المتعارف عليها.
ظهر منهج الفهم مع ماكس فيبر (Max Weber) ، بعد أن بلوره فلهلم ديلثاي. ويتسم هذا التوجه المنهجي بالطابع الدلالي والتفهمي والتأويلي، والتركيز على الذات بدل الموضوع. أي: دراسة الفرد في علاقته بأعضاء الجماعة التي ينتسب إليها أو علاقاته مع المجتمع في كليته، بالتوقف عند مختلف الدلالات والمعاني والمقاصد والغايات والنوايا التي يعبر عنها هذا الفعل الإنساني والسلوكي، في علاقته بأفعال الآخرين، ضمن الكينونية المجتمعية نفسها. ومن ثم،
(1) - فيليب كابان وجان فرانسوا دورتيه: علم الاجتماع، ترجمة: د. إياس حسن، دار الفرقد، دمشق، سورية، الطبعة الأولى 2010 م، ص:47 - 48.