فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 42

وعليه، يدعو جان لاديير إلى بديل آخر للعلمية، والسعي نحو إيجاد أداة أصيلة جديدة لمقاربة العلوم الإنسانية بصفة عامة، والعلوم الاجتماعية بصفة خصة، لكن لايمكن تبني هذا الطرح حتى يتم استكشاف هذا العلم البديل، والتحقق من هذه العلمية المغايرة، وتبيان خطواتها النظرية والتطبيقية، وإلا سنكون عدميين. ويعني هذا أنه لابد من التوفيق بين المنهجين: التفسيري والتفهمي لدراسة الظواهر الاجتماعية حتى يتحقق لنا بديل علمي إنساني جديد.

إذا كان إميل دوركايم يدرس المجتمع والبنيات المجتمعية والظواهر الجماعية، فإن ماكس فيبر يعنى بالفرد والنشاط الفردي، والتركيز على المعنى الذي يعبر عنه الفعل الفردي. ومن ثم، فدور الفرد ضعيف عند دوركايم؛ لأن المجتمع هو الذي يتحكم في الأفراد. في حين، دوره قوي عند فيبر؛ لأن الأفراد هم الذين يؤسسون المجتمعي. ومن ثم، فالمجتمع نتاج بروز الأنشطة الفردية.

وإذا كان دوركايم يؤسس منظوره السوسيولوجي على مبدإ الموضوعية؛ لأن الذاتية هي عائق أمام التحليل العلمي، فإن نظرية فيبر قائمة على مبدإ الذاتية؛ لأن الفرد هو نقطة الانطلاق في التحليل. وإذا كان دوركايم يصدر عن مقاربة تفسيرية، بالتركيز على العلاقات السببية بين المتغيرات المستقلة والتابعة، فإن فيبر يهتم بفهم معنى النشاط الفردي. وإذا كان دوركايم يتوسل بالأدوات الكمية، مثل: الاستمارة، فإن فيبر يستعين بالوسائل الكيفية، مثل: المقابلة، والملاحظة ...

وبناء على الملاحظة السابقة، يعتمد المنهج السوسيولوجي الوضعي على التفسير أو دراسة العلاقات السببية والارتباطية بين الظواهر المدروسة أو الملاحظة. ويعني هذا أن التفسير"هو كشف العلاقات الثابتة التي توجد بين عدد من الحوادث والوقائع، واستنتاج أن الظواهر المدروسة تنشأ عنها. إنه منهج العالم الفيزيائي الذي يختزل مجموعة معقدة من الظواهر إلى منظومة بسيطة من العلاقات تشكل ترسيمة أو خطاطة صورية للظاهرة موضوع الدراسة. ولايتساءل العالم عن علة مثل تلك العلاقات الأولية ... لأن كل تفسير، سوى ذلك، سيتجاوز نطاق العلم، ليلتحق، بوجه من الوجوه، بالأسطورة والسحر." [1]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت