يستحيل تطبيق التجريب العلمي على الظاهرة الإنسانية. لذا، لابد من البحث عن بديل جديد أو علمية أخرى تتجاوز نطاق العلمية التجريبية، كأن تكون علمية مرنة تتلاءم مع مرونة العلوم الإنسانية. أي: يدعو جان لاديير إلى تدشين صورة مغايرة للعلمية. وفي هذا الصدد، يقول جان لاديير:"هل بوسعنا أن نعتمد في مجال دراسة الظواهر الاجتماعية على المناهج التي برهنت على جدارتها في ميدان علوم الطبيعة؟ ... وهل بالإمكان دراسة العناصر المكونة للفعل الانساني بالكيفية نفسها التي ندرس بها خصائص موضوع من الموضوعات الفيزيائية؟ ألا نجد أنفسنا، بخلاف ذلك، إزاء منظومة واقعية تستعصي، بشكل جذري، عن كل محاولة للموضعة، وذلك نظرا لأسباب مبدئية؟"
يبدو ترتيبا على هذا، أننا أمام إمكانيتين اثنتين، الأولى تتطلب ايجاد وسيلة وضع الفاعلين بين قوسين، وذلك من خلال العمل على إبراز الأنساق التي يمكن دراستها عن طريق اعتماد المناهج التي برهنت عن جدارتها في دراسة الأنساق المادية ...
والإمكانية الثانية، تكمن في التخلي، بشكل كلي، عن كل المصادر الي يمكن أن تقترح من قبل علوم الطبيعة، وذلك عبر إنشاء أداة تحليل أصيلة تتلاءم وطبيعة الموضوع المدروس (الظواهر الإنسانية والاجتماعية) .أي: تتلاءم والإطار العام للفعل الإنساني ...
إلا أن كل طريق من هذين الطريقين تعترضه صعوبات، فإذا قررنا تناول الوقائع الاجتماعية بوصفها أشياء أو أنساقا مادية ... فإننا سنطرح، بذك، من مجال المعرفة كل ما يتصل بنظام الدلالات ونسق المقاصد والغايات والقيم ...
ومن جهة ثانية، إذا اخترنا طريق الفهم، ألا نتقيد بمنظور ذاتي بشكل لافكاك منه؟
إن حقل الظواهر الإنسانية والاجتماعية يمكن أن يمنحنا صورة للعلمية مغايرة للعلمية في مجال الظواهر الفيزيائية، إلا أن هذا لا يعني انتظار ظهور نمط لعلوم الإنسان مغاير كلية للشكل المميز للعلوم الطبيعية. [1] ""