ماهو قائم وما هو موجود، محاولة كسر هذا الإطار والثورة عليه كانت مخالفة تماما لروح الفلسفة الوضعية." [1] "
وخلاصة القول، اهتمت الوضعية عند أوجست كونت بدراسة الظواهر النسبية غير المطلقة، بالتوقف عند العلاقات الثابتة بين الوقائع والظواهر، في إطار ترابطها السببي، بغية استخلاص قوانينها وقواعدها النظرية والتطبيقية. ومن ثم، يمكن القول بأن أوجست كونت يعد من أهم مؤسسي علم الاجتماع الوضعي، ومن السباقين إلى الأخذ بمنهج التفسير في دراسة الظواهر المجتمعية، بتمثل منهجية الفيزياء والبيولوجيا والفيزيولوجيا والكيمياء في التعاطي مع الظواهر المادية، مع الاعتماد على مجموعة من الخطوات العلمية، مثل: الملاحظة، والتجربة، والمقارنة، والتاريخ.
يعد إميل دوركايم (Emile Durkheim) [2] من مؤسسي علم الاجتماع في الثقافة الغربية، وهو الذي دعا إلى استقلالية هذا العلم عن باقي العلوم والمعارف الأخرى. كما يظهر ذلك جليا في كتابه (قواعد المنهج في علم الاجتماع) . ومن ثم، أرسى دوركايم علم الاجتماع على مجموعة من القواعد، مثل: ملاحظة الظواهر المجتمعية على أساس أنها أشياء أو موضوعات مادية، يمكن إخضاعها للملاحظة الخارجية. وفي هذا النطاق، يقول دروكايم:"إن الظواهر الاجتماعية تشكل أشياء، ويجب أن تدرس كأشياء .. لأن كل ما يعطي لنا أو يفرض نفسه على الملاحظة يعتبر في عداد الأشياء ... وإذًا، يجب عينا أن ندرس الظواهر الاجتماعية في ذاتها، في انفصال تام عن الأفراد الواعين الذين يتمثلونها فكريا، ينبغي أن ندرسها من الخارج كأشياء منفصلة عنا ... إن هذه القاعدة تنطبق على الواقع الاجتماعي برمته وبدون استثناء." [3]
والقاعدة الثانية أن يتحرر عالم الاجتماع بصفة مطردة من كل فكرة سابقة، بممارسة الشك المنهجي قصد الوصول إلى اليقين كما قال ديكارت (Descartes) . والقاعدة الثالثة دراسة الوقائع المجتمعية التي تشترك في خواص معينة دراسة علمية موضوعية، بملاحظتها، وتصنيفها،
(1) - نبيل السمالوطي: الإيديولوجيا وأزمة علم الاجتماع المعاصر: دراسة تحليلية للمشكلات النظرية والمنهجية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، مصر، طبعة 1975 م، ص:140.
(2) - إميل دوركايم سوسيولوجي فرنسي، ولد سنة 1858، وتوفي سنة 1917 م، وهو مؤسس علم الاجتماع.