وتفسيرها. وتتمثل القاعدة الرابعة في دراسة الظواهر المجتمعية التي تتميز بالتكرار، والاطراد، والعمومية، والجبرية، والإلزام ... بملاحظتها خارجيا، بعيدا عن العوامل الفردية والسيكولوجية. والقاعدة الخامسة هي التفريق بين الظواهر المجتمعية السليمة وبين الظواهر المجتمعية المعتلة. والقاعدة السادسة هي تصنيف المجتمعات من حيث البنية والوظيفة.
هذا، وقد تبنى دوركايم منهج التفسير في دراسة الظواهر المجتمعية، بالتشديد على العلاقة السببية بين الظواهر المرصودة. وفي هذا، يقول دوركايم:"فكل ما يطالب به هذا العلم هو أن يعترف الناس بأن قانون السببية يصدق أيضا على الظواهر الاجتماعية. ولكن علم الاجتماع لايقرر هذا القانون على أنه ضرورة منطقية؛ بل يقرره فقط على أنه فرض تجريبي أدى إليه استقراء مشروع. فإنه لما ثبت صدق قانون السببية في نواحي الطبيعة الأخرى، وامتد سلطانه شيئا فشيئا من العالم الطبيعي الكيميائي إلى العالم البيولوجي، ومن هذا العالم الأخير إلى العالم النفسي حق لنا التسليم بأنه يصدق أيضا على العالم الاجتماعي. ويمكننا من الآن أن نضيف الحقيقة الآتية وهي: أن البحوث التي تقوم على أساس هذا المبدأ تميل بنا إلى تأكيد صحته ..."
إن طريقتنا طريقة موضوعية. وذلك لأنها تقوم بأسرها على أساس الفكرة القائلة بأن الظواهر الاجتماعية أشياء، ويجب أن تعالج على أنها أشياء، ولاشك في أن مذهب كل من سبنسر وأوجست كونت يقوم على أساس هذه الفكرة نفسها. وإن وجدت لديهما على صورة مختلفة بعض الشيء." [1] "
إذًا، يقوم المنهج التفسيري في علم الاجتماع على إبعاد الذاتية، والتخلص من النزعة التأملية في البحث، واستعمال التجريب، وتكرار الاختبارات، والاحتكام إلى الجبرية الاجتماعية التي تستند إلى الحتمية، والعمومية، والضغط الخارجي، والعقاب المجتمعي، والابتعاد عن التصورات المسبقة، والتخلص من الأفكار الشائعة بنقدها وغربلتها علميا وموضوعيا. وفي هذا، يقول دوركايم:"إن القاعدة التي ننطلق منها لاتفترض أي تصور ميتافيزيقي، ولاتتتضمن أي نظر تأملي في كنه الموجودات. إن ما تطلبه هو أن يضع عالم الاجتماع نفسه في وضع فكري شبيه بالوضع الذي يكون عليه الفيزيائيون والكيميائيون والفيزيولوجيون، حينما ينخرطون في استكشاف منطقة مجهولة عن ميدانهم العلمي. فعلى عالم الاجتماع، بدوره، وهو يحاول النفاذ"
(1) - إميل دوركايم: قواعد المنهج في علم الاجتماع، ص:276 - 279.