ويعرف فلهلم ديلتاي (W.Dilthey) الفهم بكونه تجربة جوانية وحدسية داخلية، تقوم على العلامات الحسية التي تكون انعكاسا لهذا الباطن الداخلي:"نطلق اسم الفهم على السيرورة التي نعرف من خلالها ماهو جواني (باطني) ، اعتمادا على علامات ندركها من الخارج بواسطة حواسنا. فحين أقول، مثلا، لم أفهم كيف تصرفت بهذه الكيفية، أو حين أقول أيضا: إنني لم أعد أفهم نفسي، فإنني أعني بذلك، في الحالة الأولى، أن مظهرا من مظاهر ذاتي الذي اندغم في العالم الحسي، أضحى يبدو لي كما لو أنه يصدر عن قوة غريبة عن ذاتي، وأنني عاجز عن تأويله كما هو، وفي الحالة الثانية أعني بذلك أنني دخلت في حالة غريبة، لاعهد لي بها. وترتيبا على ذلك، فنحن نطلق اسم الفهم على السيرورة التي نعرف بواسطتها ما هو نفسي باطني اعتمادا على علامات حسية تعتبر تجليا أو مظهرا له." [1]
وهكذا، يتبين لنا بأن الفهم عبارة عن معرفة ذاتية وداخلية للموضوع المدرك، مع رصد دلالاته ومعانيه ومقاصده، كما يتبدى لنا ذلك من خلال ملامح الحسية المباشرة.
ويمكن القول بأن الفهم مرتبط بسؤال (لماذا؟) .أما التفسير فيرتبط بسؤال (كيف) .ومن ثم، تحضر الذات في عملية الفهم في دراستها للذات. وهنا، يمكن الحديث عن المقترب الذاتي أو المعايشة الذاتية للموضوع المدرك (الحضور الذاتي) .أما في عملية التفسير، فتلتزم الذات بالحياد تجاه موضوعها. وهنا، يمكن الحديث عن المقترب الموضوعي أو الغياب الموضوعي. وإذا كان الفهم ينكب على المعنى في ارتباطه بالوضعيات السياقية، فالتفسير ينكب على الدلالة بعيدا عن وضعها السياقي.
وعليه، فالفهم هو بمثابة قراءة تأويلية للوقائع والنصوص في وضعها السياقي المدرك. ومن ثم، يختلف الفهم والتأويل من سياق إلى آخر.