يعد بول ريكور (Paul Ricœur) [1] من الدارسين الذين جمعوا بين الفهم والتفسير والتأويل في دراسة الخطاب الفلسفي العام، ومنه السوسيولوجيا، وكان من أهم رواد الهيرمينوطيقا الذين وفقوا بين البعدين المنهجيين: الفهم والتفسير في دراسة الظواهر الإنسانية والمجتمعية. وهنا، يتحدث بول ريكور عن جدلية ثلاثية، إذ يعتبر التأويل تركيبا للأطروحتين المتعارضتين: الفهم والتفسير. ومن ثم، فالنص هو جماع الفهم والتفسير. ويترتب عن ذلك قراءة تأويلية هيرمونيطيقية بأبعاد ثلاثة.
وعليه، تتكئ المقاربة التأويلية عند بول ريكور على مجموعة من الخطوات المنهجية في مقاربة النصوص الأدبية والإبداعية والفلسفية، وتأويل النصوص الدينية والكتب المقدسة والخطابات اللاهوتية. وتتمثل هذه الخطوات المنهجية في ثلاث مراحل أساسية، وهي: ماقبل الفهم، والتفسير، والتأويل، وذلك كله من أجل تأكيد عبارته المشهورة:"شرح أكثر لفهم أفضل". وتشكل هذه المراحل الثلاث ما يسمى بالدائرة الهيرمونيطيقية للتأويل. وتشبه هذه المراحل خطوات غادامير (H.G.Gadamer) ، وهي: دقة الفهم، والتفسير، والتطبيق [2] . وتتمثل خطوات بول ريكور المنهجية فيما يلي:
(ماقبل الفهم(Precomprehention) : يعني ما قبل الفهم تلك العلاقة المباشرة التي يربطها القارئ بالنص لأول مرة. ويعني هذا الاتصال الأولي وجود المتلقي، وحضوره ذاتيا وإنيا وذهنيا ووجدانيا. بمعنى أن هذه المرحلة فيها تلتقي الذات مع النص، وهي كذلك بداية تموقع الذات وجودا وحضورا. وهنا، يتم التركيز على الحدس والافتراض لاستخلاص ماهو كلي وعضوي، وتحصيل الدلالة الافتراضية البؤرية.
(التفسير(Explication) : وهي مرحلة الشرح والتحليل، أو هي المرحلة التي نستخدم فيها المقاربات العلمية الموضوعية: الفيلولوجيا، والنقد الأدبي، والتاريخ، واللسانيات، والسيميائيات. ويكون التفسير في خدمة الفهم والإدراك. ويعني هذا أن التأويل أو التفسير أو الشرح هو بمثابة تحليل النص أو الخطاب في ضوء مجموعة من المقاربات النصية لسانيا، وبنيويا، وسيميائيا ... ، من أجل تحصيل المعنى العلمي والموضوعي للنص، واستكناه آثار الدلالة بطريقة
(1) - بول ريكور فيلسوف فرنسي وعالم الإنسانيات، ولد سنة 1913 م، وتوفي سنة 2005 م. وهو من أهم ممثلي التيار التأويلي.