خلال إجراءات التواصل بشكل عام" [1] . فالعلم الذي يدرس العلاقة بين مستخدمي اللغة هو اللسانيات التداولية، وهو تخصص لساني يهتم بالأدلة اللغوية (المرسل، المرسل إليه) وعلاقات التأثر والتأثير بينهما في ضوء ما ينتجانه من تحاور متصل، مما يعني كونها"علمًا تلفيقيًا أو موسوعيًا يجمع بين اختصاصات متعددة، فليست التداولية بهذه المفاهيم المتعددة علمًا لسانيًا صرفًا يقف عند البنية الظاهرة للغة، بل هي على ما يؤكده جاك موشلار (J.Mochlar) علم جديد للتواصل، يسمح بوصف وتحليل وبناء إستراتجيات التخاطب اليومي والمتخصص بين المتكلمين في ظروف مختلفة" [2] ."
ومن هنا فإن أشمل تعريف للتداولية هو دراسة اللغة في سياقها، أي في الاستعمال أو في التواصل؛ لأنه يشير إلى أن المعنى ليس شيئًا متأصلًا في الكلمات وحدها، ولا يرتبط بالمتكلم وحده، ولا بالسامع وحده، وإنما يتمثل في تداول اللغة بين المتكلم والسامع في سياق محدد (مادي، اجتماعي، لغوي) وصولًا إلى المعنى الكامن في كلام ما [3] . لذلك انصب اهتمام المنظرين للتداولية على عناصر العملية التواصلية اللغوية وركزوا على المرسل وقصده ونواياه، والمتلقي، والرسالة، والسياق، ثم أفعال اللغة [4] . ومن ثم يتضح أن التداولية تهتم بعدة مبادئ أهمها: القصدية، الفعل الكلامي، والاستلزام الحواري، ومتضمنات القول، والإفادة، ....
القارئ في مؤلفات عبدالقاهر الجرجاني، يجده قد تناول الدرس اللغوي من منظور مختلف إلى حد ما عن سابقيه، من حيث رعايته للمعنى في ضوء الوظيفة التي تؤديها اللغة، ومن ثم اهتم بعلاقة اللفظ بالمعنى بمقصدية المتكلم مع ربط ذلك بالمتلقي، في ضوء أمن اللبس، ولم يفت عبدالقاهر الجرجاني رعايته للجانب الاجتماعي للغة، بما يتضمنه الكلام المنطوق من سياق لغوي أو مقامي؛ حيث يلعب ذلك دورًا كبيرًا في توضيح المعنى وأغراض المتكلم؛ حيث يقول:"إنَّ الناس إنَّما يكلم بعضهم بعضًا؛ ليعرف السامع غرض المتكلم ومقصوده" [5] . لأن الرسالة الإعلامية الكائنة في الكلام قوامها ثلاثة أشياء جمعها
(1) بلاغة الخطاب وعلم النص، صلاح فضل، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ص 10.
(2) النص والسياق، استقصاء البحث في الخطاب الدلالي والتداولي، ت. فان ديك، ترجمة: عبدالقادر قنيني، دار إفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، دت، ص 13.
(3) السابق، ص 14
(4) التصور التداولي للخطاب اللساني عند ابن خلدون، نعمان بوقرة، مجلة الرافد، يناير، 2006، ص 83.
(5) دلائل الإعجاز، ص 357