الصفحة 21 من 35

الخطابي في قوله:"لفظ حامل، ومعنى قائم به، ورباط لهما ناظم" [1] والرباط كما يفهم من العبارة هو السياق الواردة فيه العبارة أو الرسالة بمفهومها الواسع. وتكاد مؤلفات الجرجاني ولا سيما كتابه"دلائل الإعجاز"لا تخلو صفحة من صفحاته بإشارة تدل على مبدأ من مبادئ التداولية، كإشارة تعود إلى مراعاة قصد المتكلم، أو غرضه من الخطاب، أو مراعاة حال ضمن ما أطلقوا عليه الإفادة، وهى الفائدة التي يتحصلها السامع والمتلقي من رسالة المتكلم، أو السياقات التي ينتج ضمنها الكلام، ومدى نجاح عملية التواصل اللغوي بين طرفي اللغة، وقد سبق عبدالقاهر اللغويين المحدثين في دراسته لظاهرة الفعل الكلامي في اللغة، والتمييز بين الأساليب والأغراض، وكذا في بابي المسند والمسند إليه، وهي تلميحات مبكرة لظاهرة الترابط الدلالي بين المفردات، وهذه الأسطر ستكشف أسبقية الجرجاني جوانب التداولية.

يراد به في تصور نحاتنا القدامى، الغاية التواصلية التي يريد المتكلم تحقيقها من الخطاب وقصده منه، وعليه تكون"مراعاة الغرض من الكلام"في عرف غالب النحاة، قرينة تساعد في تحديد الوظيفة النحوية للكلمة وبيان دورها في التحليل النحوي للجملة ... وعليه فإن مصطلح القصدية يهتم بالقصد؛ إذ إنه الحافز الرئيس في عملية الكلام، ومن ثم يتشكل الملفوظ تبعًا له فـ"مقصد المنتج هو متابعة هدف ما من خلال النص ... وبالمعنى الأكثر مباشرة يعد إنتاج النص هدفًا فرعيًّا في السبيل المؤدي إلى الهدف، وهو القصد [2] فالقصد إذن هو الهدف الأساس الذي يقوم عليه الكلام، فالقصدية عند التداوليين مفهوم واسع مستمد من الفلسفة التحليلية، فهي تمثل"جميع الأشكال المختلفة التي يمكن أن يتوجه بها العقل أو يتعلق نحو الأشياء أو الحالات الفعلية في العالم" [3] . وقد طور التداوليون هذا المفهوم، ليصبح شبكة من المفاهيم المترابطة منها مبدأ التعاقد، ومبدأ القضاء المزدوج، ومبدأ الاستراتيجية، وتنظيم الخطاب ... [4] . وتنقسم القصدية إلى قصدية عقلية: تمثل توجه العقل نحو العالم، وقصدية لغوية: تمثل نية الإنسان التي قصدها من الملفوظ، والقصدية اللغوية جزء من القصدية العقلية، فهي الصورة المعلنة للقصدية العقلية [5] ."

(1) ثلاث رسائل في إعجاز القرآن، ص 26

(2) مدخل إلى علم لغة النص، ص 64

(3) كيف يعمل العقل: القصدية، ص 371

(4) ينظر: التداولية عند العلماء العرب، ص 44 في المتن والهامش

(5) كيف يعمل العقل: القصدية، ص 376

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت