وقد اهتم علماؤنا الأوائل إلى أهمية القصد اللغوي في الكلام، وتشكيل الملفوظ بشكل يدعو للإعجاب، فعلى سبيل المثال ابن هشام يعرف الكلام بقوله:"القول المفيد بالقصد" [1] . وقد اعتمد النحاة العرب، على مبدأ"مراعاة غرض المتكلم من كلامه"بوصفه قرينة تداولية قوية في الدراسة اللغوية، وقد كان الجرجاني يعتمد هذا المبدأ ويوظفه ويدافع عنه في فهم الجمل والتراكيب اللغوية، ولا سيما آيات القرآن الكريم، بل وجدناه يوظفه أحيانًا في بيان خطأ أولئك الذين يخطئون في فهم الخطاب بسبب إهمال"الغرض".
لا غرو أن المقصدية أو الغرض له دور بارز في فهم الرسالة، أو توجيهها التوجيه الصحيح، يقول عبدالقاهر:"لا يخفى على من له أدنى تمييز أن الأغراض التي تكون للناس في ذلك لا تعرف من الألفاظ، ولكن تكون المعاني الحاصلة من مجموع الكلام أدلّة على الأغراض والمقاصد. ولو كان الذي يكون غرض المتكلم يعلم من اللفظ، ما كان لقولهم:"ضرب كذا مثلًا لكذا"، معنى، فما اللفظ"يضرب مثلًا"ولكن المعنى. فإذا قلنا في قول النبي صلى الله عليه وسلم:"إيّاكم وخضراء الدّمن" [2] ، إنه ضرب عليه السلام"خضراء الدّمن"مثلا للمرأة الحسناء في منبت السّوء، لم يكن المعنى أنه صلى الله عليه وسلم ضرب لفظ"خضراء الدّمن"مثلًا لها. هذا ما لا يظنّه من به مسّ، فضلا عن العاقل" [3] .
ويورد عبدالقاهر أن الوظيفة الأساس للغة هي إقامة التواصل بين متكلميها، بل جعل هذه الحقيقة من الأمور البديهية التي لا يختلف فيها اثنان يقول:"الدّلالة على الشيء هي لا محالة إعلامك السامع إيّاه، وليس بدليل ما أنت لا تعلم به مدلولًا عليه. وإذا كان كذلك، وكان ممّا يعلم ببدائه المعقول أن الناس إنما يكلم بعضهم بعضًا ليعرف السامع غرض المتكلم ومقصوده، فينبغي أن ينظر إلى مقصود المخبر من خبره" [4] . فالوظيفة اللغوية المقصودة هنا تشمل المعنى المراد تبليغه، وكل ما له تعلق به يقول:"إنّ الألفاظ؛ إذ كانت أوعية للمعاني، فإنها لا محالة تتبع المعاني في مواقعها، فإذا وجب لمعنى أن يكون أوّلًا في النفس، وجب للّفظ الدالّ عليه أن يكون مثله أوّلًا في النطق. فأمّا أن تتصور في الألفاظ أن تكون المقصودة قبل"
(1) مغني اللبيب، ص 363
(2) ذكره العجلوني في كشف الخفاء (1/ 272) ، وقال: رواه الدار قطني في الأفراد، والعسكري في الأمثال، وابن عدي في الكامل.
(3) دلائل الإعجاز، ص 280
(4) السابق، ص 346 - 347