الصفحة 32 من 35

ومن خلال القراءة السريعة في كتاب"دلائل الإعجاز"لعبدالقاهر الجرجاني، لمحاولة فهم التراث وسبر أغواره واستكناه أسراره، ومعرفة مواطن القوة والضعف في الدرس اللغوي، ومواكبة التطور المذهل في العلوم الإنسانية، ولا سيما في اللسانيات الحديثة والمعاصرة، يمكن لهذه الورقة إجمال ما توصلت إليه في الآتي:

أسس المناهج اللغوية في المدارس الغربية وأصولها أقرب إلى الدرس اللغوي في العربية، حتى لا تبالغ هذه الورقة إذا قالت: إنها مستمدة من الفكر النحوي العربي، فما أشبه النظرية التوليدية التحويلية - من حيث أسسها وقواعدها - بالظواهر النحوية التي وردت في العربية، وما جاءت به نظرية"فيرث"السياقية لم يكن جديدًا على العربية إذ أُحكمت هذه النظرية بحذافيرها في العبارة:"لكل مقام مقال"، وقد تجلت هذه النظرية عند الجرجاني في اعتبارها قوام الدرس النحوي، كما أن المنهج التداولي يبدو متسقًّا مع العربية، لاعتمادها الخطاب والنطق قبل الكتابة، واعتبار أن اللغة استعمال وتواصل في المقام الأول، وذلك لأن المعنى ليس شيئًا متأصلًا في الكلمات وحدها، ولا يرتبط بالمتكلم وحده، ولا السامع وحده، فصناعة المعنى تتمثل في تداول اللغة بين المتكلم والسامع في سياق محدد وظروف بعينها.

وقد خلصت هذه الورقة إلى أن الإمام عبدالقاهر الجرجاني استطاع من خلال استلهامه التراث العربي، واستيعابه المعطيات الثقافية واللغوية التي أتيحت له في ذلك العصر، إعادة صياغة الدرس النحوي في ثوب جديد، موظفًا الظروف المحيطة بالنص في توصيل الرسالة الإعلامية للمتلقي، وقد كشف عن امتلاك العربية لأصول الدرس اللغوي الحديث، بما توصلت إليه النظريات اللغوية الحديثة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت