المبحث الأول: عبدالقاهر الجرجاني والمدرسة التوليدية التحويلية
المبحث الثاني: عبدالقاهر الجرجاني ومدرسة فيرث (السياقية)
المبحث الثالث: عبدالقاهر الجرجاني والمدرسة التداولية
وقد تضمن كل مبحث من هذه المباحث بعض المطالب التي تندرج تحته، ثم ذيلت هذه الورقة بخاتمة تضمنت بعض ما توصلت إليه من نتائج، وختمت بقائمة المصادر والمراجع.
لا شك أن الإمام عبدالقاهر الجرجاني لعب دورًا بارزًا في دراسة العربية من خلال قراءته الواعية للفكر اللغوي، مستمدًا ذلك من حصيلة ثقافية واسعة في النحو واللغة وعلومها، جعلته يدرك ببصيرته الواعية مواضع القصور والعيوب في الدرس النحوي عند معاصريه؛ حيث لحظ خروجهم عن مقصدية اللغة من حيث إنها وسيلة اتصال في المقام الأول، وقد طغى المنهج الشكلي على الدرس النحوي حينذاك؛ حيث اقتصر توجههم على"بيان أن الفاعل مرفوع والمفعول منصوب، ونحو ذلك" [1] ففصلوا بين اللفظ والمعنى، ولا سيما بعد أن أُهمل المعنى في دراسة الظاهرة اللغوية تحت تأثير سيطرة المنطق، الأمر الذي أفقد الدرس اللغوي وظيفته التواصلية وأساء إلى الدرس الأدبي.
وانطلاقًا من يقين الإمام عبدالقاهر بأن اللغة وسيلة اتصال وتخاطب، ووعاء فكر، وليس هي غاية في حد ذاتها يتغيَّاها الناس، وأن هذا لا يتحقق إلا من خلال ألفاظ لها دلالات معينة يفهمها المتلقي كما يريد المرسل من دون لبس أو غموض؛ حيث يقول:"إنَّ الناس إنَّما يكلم بعضهم بعضًا؛ ليعرف السامع غرض المتكلم ومقصوده" [2] . لأن الرسالة الإعلامية الكائنة في الكلام قوامها ثلاثة أشياء جمعها الخطابي في قوله:"لفظ حامل، ومعنى قائم به، ورباط لهما ناظم" [3] والرباط كما يفهم من العبارة هو السياق الواردة فيه العبارة أو الرسالة بمفهومها الواسع.
ولما كان الأمر كذلك فقد اتخذ الجرجاني"المعنى"القاعدة التي يستمد منها دراسته للغة وعلومها، فراح يؤكد أن الألفاظ خدم للمعاني، وهذا بدوره قاده إلى الدور الذي تقوم به العلاقات السياقية في إبراز المعنى وتحديده؛ حيث يقول:"إنَّ الألفاظَ لا تتفاضَلُ من حيث هي ألفاظٌ مجرَّدة، ولا من حيثُ هي كلمٌ"
(1) الموافقات للشاطبي، 4/ 116
(2) دلائل الإعجاز، ص 357
(3) ثلاث رسائل في إعجاز القرآن، ص 26