عقْلٍ، وإِنكم إنْ طمِعْتُم منهم في أنْ يَنْظروا ويَتذكَّروا، كنتُم كمَنْ طمِعَ في ذلك مِنْ غيرِ أُولي الألباب [1] . ويعلق أستاذنا الدكتور البدراوي زهران على ذلك بقوله:"عبدالقاهر هنا يترسم خطوات منهج متبع اليوم في الدرس اللغوي، وهو استقراء الظاهرة في أوضاعها ورصد كل حالاتها في مختلف استعمالاتها ..." [2] .
وقد ضرب الجرجاني أمثلة متعددة، المعنى المراد منها ليس ما يدل عليه ظاهر اللفظ والبناء، وإنما معانٍ أخرى ينبئ عنها السياق ومقتضى حال المتكلمين والمخاطبين والسامعين؛ حيث يقول:"فرُبَّ هَزْلٍ صار أَداةً في جِدّ، وكلامٍ جَرى في باطلٍ ثم استُعينَ به على حَقّ، كما أنه رُبَّ شيءٍ خَسيس، تُوصِّلَ به إِلى شريفٍ، بأنْ ضُرِبَ مَثلًا فيه وجُعل مثالًا له" [3] . وقد يرد تعبير حسن في سياق يدل على عكس ظاهره، فيكون المقام هو الفيصل في تحديد معناه وكشف دلالته، ويضرب الجرجاني لذلك النوع فيقول:"فربَّ كلمةِ حَقٍّ أُريدَ بها باطلٌ، فاسْتُحِقَّ عليها الذمُّ، كما عرفتَ من خبر الخارجي مع علي - راضون الله عليه -. ورُبَّ قولٍ حَسَنٍ لم يَحْسُنْ من قائِلِه حينَ تَسبَّبَ به إِلى قبيحٍ، كالذي حكى الجاحظ قال:"رجع طاوس يومًا عن مجلسِ مُحمّدِ بنِ يوسُفَ، وهوَ يومئذٍ والي اليمنِ فقال: ما ظَننتُ أنَّ قول:"سبحان الله"يكون معصية لله تعالى حتى كانَ اليومُ، سمعتُ رجلًا أَبلغَ ابنَ يوسُفَ عن رجلٍ كلامًا، فقالَ رجلٌ من أهلِ المَجلس:"سبحانَ الله"، كالمستعظمِ لذلك الكلامِ، ليُغضِبَ ابنَ يوسف" [4] ."
وهكذا يبدو واضحًا أن الدرس اللغوي عند عبدالقاهر الجرجاني توصل إلى أثر السياق بشقيه المقالي والمقامي في التحليل اللغوي وتحديد المعنى والدلالة الدقيقة للمبنى قبل ظهور المدارس اللسانية الحديثة بقرابة ألف عام.
يهتم الاتجاه التداولي بالدراسات اللغوية خاصة"حيث تتلاقى فيه على وجه معين جملة ميادين من المعرفة المختلفة أهمها: علم اللغة الخالص، والبلاغة، والمنطق، وفلسفة اللغة، وكذلك علم الاجتماع، وغيرها من العلوم المهتمة بالجزء الدلالي من اللغة" [5] . تعود جذور التداولية في اللسانيات الحديثة إلى الفيلسوف الأمريكي موريس Morris في العام 1938 م، غير أنها لم تصبح مجالًا يُعتد به في الدرس اللغوي إلا في
(1) دلائل الإعجاز، شاكر، ص 354
(2) ظواهر قرآنية في ضوء الدراسات اللغوية بين القدماء والمحدثين، مطابع الطوبجي التجارية، ط 3، 1996 م، ص 96 - 97
(3) دلائل الإعجاز، شاكر، ص 14
(4) دلائل الإعجاز، شاكر، ص 14
(5) المقاربة التداولية، فرانسوار أرمينكو، ترجمة سعيد علوش، مركز الإنماء القومي، ص 95.