فأجاز النحاة الحذف في الجملة، والاتساع والاختصار والتقديم والتأخير وغيرها مما جاء ذكره عند عبدالقاهر من ظواهر لغوية.
وهكذا يقوم مبدأ حال المخاطب بدور بارز في وظيفة التواصل؛ لأن الرسالة رهينة فهم المتلقي ومدى استيعابه لها؛ حيث يقول الجرجاني:"ومحال أن تكلّمه بألفاظ لا يعرف هو معانيها كما تعرف" [1] .
لا تبالغ هذه الورقة حين تؤكد أن السياق هو اللغة، واللغة هي السياق، فالسياق هو العمود الفقري في الدرس اللغوي، وقد اعتبر السياق من أول المبادئ لدى المدارس اللسانية التي وصلت لدرجة النضج الفكري، بداية من سيبويه والجرجاني والمحدثين كفيرث وديبوجراند ودرسلر، والتداوليين، وذلك لأن السياق يمثل همزة الوصل بين النص والمرسل والمتلقي، وقد أولى التداوليون السياق بشقيه بصفة خاصة أهمية كبيرة؛ باعتبار التداولية"اتجاهًا في الدراسات اللسانية يُعنى بأثر التفاعل التخاطبي في موقف الخطاب، ويستتبع هذا التفاعل دراسة كل المعطيات اللغوية والخطابية المتعلقة بالتلفظ وبخاصة المضامين والمدلولات التي يولدها الاستعمال في السياق" [2] .
ونظرًا لما عرفه السابقون من لغويينا العرب عن أثر السياق في كشف المعنى وتحديد دلالته؛ حيث تشمل معتقدات المتكلم ومقاصده وشخصيته وتكوينه الثقافي ومن يشارك في الحدث اللغوي، والوقائع الخارجية مثل الظروف المكانية والزمانية والظواهر الاجتماعية المرتبطة باللغة، يقول ابن القيم الجوزية:"السياق يرشد إلى تبيين المجمل وتعيين المحتمل، والقطع بعدم احتمال غير المراد، وتخصيص العام وتقييد المطلق وتنوع الدلالة، وهذا من أعظم القرائن الدالة على مراد المتكلم فمن أهمله غلط في نظره وغالط في مناظرته فانظر إلى قوله تعالى: {ذُقْ إِنَّكَ أنت الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} الدخان: 49 كيف تجد سياقه يدل على أنه الذليل الحقير [3] ."
ولأهمية السياق في التحليل اللغوي عند التداوليين، عُدَّ عندهم"النص الآخر"أو"النص المصاحب للنص الظاهر، وهو بمثابة الجسد الذي يربط التمثيل اللغوي ببنيته الخارجية [4] . باعتباره مفتاح مغلق النص، وكاشف أسراره، وقد"فرق ديبوجراند بين مصطلحي"context"الذي يتضمن الدلالات الخارجية
(1) دلائل الإعجاز، ص 262
(2) إحياء النحو، إبراهيم مصطفى، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، ط 2، 1990 م، ص 19
(3) بدائع الفوائد، لابن القيم الجوزية، المطبعة المنيرية، القاهرة، د. ت، ص 9 - 10
(4) ينظر: الأفعال الإنجازية، ص 129