المخاطب أو المستمع وحاله، ومدى ثقافته لتلقي النص، وذلك بغية تحقيق الفائدة، وقد اهتم عبدالقاهر بهذا المبدأ التداولي؛ حيث نلحظ عنده إشارات واضحة، وفي كل موضع من المواضع، ففي سياق حديثه عن الدلالة لم ينس التنويه بمراعاة ظروف المتلقي وحالته والفائدة، كحديثه عن الفروق بين النكرة والمعرفة والتقديم والتأخير وغيرها من الظواهر التركيبية، حين حديثه عن الفروق الدلالية بين الجمل الثلاث في"انطلاق زيد"حيث يقول:"ومن فروق الإثبات أنك تقول:"زيد منطلق"و"زيد المنطلق"،"المنطلق زيد"، فيكون لك في كل واحد من هذه الأحوال غرض خاص وفائدة لا تكون في الباقي" [1] . ثم يبين الجرجاني الفروق في دلالات هذه الجمل التي يعتمدها المتكلم بحسب حالة سامعه بقوله:"وتمام التحقيق أنّ هذا كلام يكون معك إذا كنت قد بلّغت أنه كان من إنسان انطلاق من موضع كذا في وقت كذا لغرض كذا، فجوّزت أن يكون ذلك كان من زيد. فإذا قيل لك:"زيد المنطلق"، صار الذي كان معلومًا على جهة الجواز، معلومًا على جهة الوجوب. ثم إنهم إذا أرادوا تأكيد هذا الوجوب أدخلوا الضمير المسمّى"فصلًا"بين الجزأين فقالوا:"زيد هو المنطلق" [2] ."
وقد ربط الجرجاني بين النظم والمتكلم والمتلقي، فوضع للنص شروطًا، وللمتكلم أيضًا، ولم يفته أن يشترط في السامع أن يكون عالمًا بلغة النص الذي يتلقاه أو يتصدى له، يقول:"واعلم أنّه لا يصادف القول في هذا الباب موقعًا من السامع، ولا يجد لديه قبولًا، حتى يكون من أهل الذّوق والمعرفة، وحتى يكون ممن تحدّثه نفسه بأنّ لما يومئ إليه من الحسن واللّطف أصلًا، وحتى يختلف الحال عليه عند تأمّل الكلام، فيجد الأريحيّة تارة، ويعرى منها أخرى، وحتّى إذا عجّبته عجب، وإذا نبّهته لموضع المزية انتبه."
فأمّا من كان الحالان والوجهان عنده أبدًا على سواء، وكان لا يتفقّد من أمر"النّظم"إلا الصّحة المطلقة، وإلّا إعرابًا ظاهرًا، فما أقلّ ما يجدي الكلام معه. فليكن مَنْ هذه صفته عندك بمنزلة من عدم الإحساس بوزن الشعر، والذّوق الذي يقيمه به، والطّبع الذي يميّز صحيحه من مكسوره، ومزاحفه من سالمه، وما خرج من البحر ممّا لم يخرج منه في أنّك لا تتصدّى له، ولا تتكلّف تعريفه، لعلمك أنّه قد عدم الأداة التي معها يعرف، والحاسّة التي بها يجد. فليكن قدحك في زند وار، والحكّ في عود أنت تطمع منه في نار" [3] . فالجرجاني هنا يشير إلى أهمية دور السامع أو المتلقي في فهم الرسالة التي يوجهها له المتكلم أو المرسل، ومن ثم يتطلب من المرسل مراعاة السامع، وثقافته ومدى تقبله للنص المرسل، ولا شك أن فهم المخاطب لكلام المرسل ورسالته في ضوء أمن اللبس أدى إلى الترخص في البنية والتركيب،"
(1) دلائل الإعجاز، ص 120 وقد فسر ذلك ولم نشأ ذكره خشية التطويل
(2) دلائل الإعجاز، ص 120
(3) دلائل الإعجاز، ص 190 - 191