الصفحة 23 من 35

المعاني بالنظم والترتيب، وأن يكون الفكر في النظم الذي يتواصفه البلغاء فكرًا في نظم الألفاظ، أو أن تحتاج بعد ترتيب المعاني إلى فكر تستأنفه لأن تجيء بالألفاظ على نسقها، فباطل من الظنّ ..." [1] "

من هذا يتضح أن موافقة قصد المتكلم ووصوله إلى السامع أساس قبول الملفوظ، وأنه يمكن القول إن اللغة عند الجرجاني ليست منظومة من القواعد المجردة من المعنى والدلالة المقترنَيْن بما في نفس المتكلم، وإنما اللغة عنده: لفظ معين يؤديه"متكلم معين"في"سياق ومقام معينين"وموجه إلى"مخاطب معين"لأداء"غرض تواصلي معين".

إذا كانت عملية الكلام تنبني أساسًا على متكلم وقصده ومراعاته للسياق وحال السامع؛ فإن نجاحها يتوقف على فهم المخاطب مقصود المتكلم، ومن ثم فالمخاطب حاضر في عملية الكلام من جانبين:

الأول: مراعاة السامع له عند التعبير عن قصده وهذا ينبني - لاشك - على إدراك المتكلم للمفاهيم المشتركة بينه وبين المخاطب.

الثاني: فهم المخاطب لمقصود المتكلم، وتحقيق الفائدة وتفاعله مع الملفوظ، تأثرًا به أو إنجازًا لمدلوله في الواقع ... وهو ما يعبر عن فهمه لمقصود المتكلم، فالمخاطب شريك للمتكلم في نجاح التواصل؛ حيث إن"دلالة الملفوظ تستلزم بالضرورة معرفة المتقبل بمقصد الباث التواصلي" [2] فالمخاطب يقوم بعمليات ذهنية متعددة لقراءة مقصود المتكلم، ولذلك أشار سيرل إلى"كفاءة السامع العامة في العقلانية والاستدلال" [3] وذلك لأن السامع يمثل الطرف الثاني الذي لأجله أنتج الكلام، وهو القطب الذي يتحكم في نظم الكلام بالنظر إلى حاله، هذا السامع يخاطبه المتكلم بألفاظ متعارف عليها بينهما، ويؤكد ذلك مهدي المخزومي بقوله:"والجملة خاضعة لمناسبات القول وللعلاقة بين المتكلم والمخاطب ولا يتم التفاهم في أي لغة إلا إذا روعيت تلك المناسبات، وأخذت العلاقة بين أصحابها بنظر الاعتبار، ولن يكون الكلام مفيدًا ولا الخبر مؤديًا غرضه ما لم يكن حال المخاطب ملحوظًا، ليقع الكلام في نفس المخاطب موقع الاكتفاء والقبول" [4] .

وقد اهتم التداوليون بمراعاة السامع وذلك لأنه حجر الزاوية في عملية التواصل؛ إذ لولا وجود سامع أو مجموعة من السامعين لما كان ثمة حاجة لمتكلم، وقد اهتم النحاة من لدن سيبويه إلى وقتنا هذا، بمراعاة

(1) السابق، ص 44

(2) التداولية والحجاج، ص 83، ومن المفاهيم التداولية في كتاب سيبويه، د. محمد البدري عبدالعظيم، ص 1088

(3) التداولية من أوستن إلى غوفمان، ص 152، ومن المفاهيم التداولية في كتاب سيبويه، نفسه

(4) في النحو العربي، نقد وتوجيه، لمهدي المخزومي، المكتبة العصرية، صيدا، بيروت، ط 1، 1964 م، ص 225

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت