مفهوم السياق الواسع هو الاستعمال [1] أو المقام [2] ؛ ذلك أنَّ"معنى المقال بحاجة إلى معنى المقام ... الذي يضم القرائن الحالية إلى ما في السياق من قرائن مقالية" [3] فينشأ المعنى الاجتماعي الدلالي [4] .
لم تكن العناية بالموقف السياقي والقرائن الحالية المصاحبة وليدة النظرية السياقية الغربية، بل إنها تعود إلى عبدالقاهر الجرجاني، ويكفي أن ترد الألفاظ والعبارات الدالة على سياق الموقف على مدار كتابه"دلائل الإعجاز"في مواضع متفرقة، فقد"أدرك عبدالقاهر أهمية المقام ووردت عبارتا"مقام الاستعمال"و"مقتضى الحال" في كتابه"دلائل الإعجاز"بما يزيد على خمسين مرة في مختلف المواضع، وأبرز هذه الموضوعات التي ربطت بسياق الموقف" [5] . كما ركز عبدالقاهر الجرجاني بشكل عميق على مراعاة ما يدل عليه المقام والموقف الوارد فيه التركيب من خلال الأنماط التي بحثها وعرضها بالتطبيق.
وقد كانت فكرة السياق بركنيه الأساسيين وهو يتحدث عن النظم الحكم في توجيه المعاني والدلالات، حيث جعل سياق الموقف الحكم في توجيه المعنى المحدد الذي يتغيا توصيله المرسل إلى المستقبل، فقد يُوجه الكلام على غير مراده اللفظي، ويبدو ذلك واضحًا في تنبيهه إلى ما يبحثه هنا أنه قد لا يخطر على بال؛ لأنه موضع فيه دقة وغموض؛ وذلك عندما يدل الكلام الواحد على أكثر من غرض، ويصبح حينئذ أقوى ما يكون وأعلق ما ترى بالقلب لأنه لا يراد بالكلام به نفس معناه ولكن التعريض بأمر هو مقتضاه، يقول:"وليس ببعيدٍ: أنْ يَظُنَّ الظَّانُّ أنَّه ليس في انضمام"ما"إِلى"إِنّ"فائدةٌ أكثرُ من أنها تُبْطِل عملَها، حتى تَرى النحويِّينَ لا يَزيدون في أكثرِ كلامهم على أنها"كافَّة"، ومكانُها ههنا يُزيل هذا الظنَّ ويُبْطِلُه [6] . ويوضح الأمر قائلًا:"ثم اعلمْ أَنك إِذا استقريْتَ وجدْتَها أقوى ما تكونُ وأعْلَقَ ما ترى بالقلب، إِذا كان لا يُراد بالكلامِ بعدَها نفْسُ معناه، ولكنَّ التعريضَ بأمرٍ هو مُقْتضاه، نحوُ أنَّا نعلمُ أَنْ ليس الغَرضُ مِن قولِه تعالى: {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الرعد: 19] أنْ يَعلَم السَّامِعُون ظاهرَ معناه، ولكنْ أن يُذَمَّ الكفَّارُ، وأنْ يُقالَ إِنهم مِنْ فرطِ العِنادِ ومِنْ غلبةِ الهوى عليهم، في حُكْم مَنْ ليس بذي
(1) ينظر: علم الدلالة، أحمد مختار عمر، 68.
(2) ينظر: علم الدلالة، بالمر، 66، ظلال المعنى بين الدراسات التراثية وعلم اللغة الحديث، د. علي زوين، آفاق عربية، ع 5/ 1990/ 81.
(3) اللغة العربية معناها ومبناها، د. تمام حسان، 42، وينظر. اللغة بين المعيارية والوصفية، د. تمام حسان 123.
(4) ينظر: مناهج البحث في اللغة، 227، السياق في الفكر اللغوي عند العرب، د. صائب أبو جناح، الأقلام ع 3 ـ 4 ـ 1992/ 116.
(5) الدلالة السياقية عند اللغويين، ص 161
(6) دلائل الإعجاز، شاكر، ص 354