مفردةٌ، وأن الفضيلة وخلافها، في ملائمة معنى اللفظة لمعنى التي تليها" [1] ، وذلك لأنك لن"تجد أحدًا يقولُ:"هذه اللفظةُ فصيحةٌ"، إلاَّ وهو يعتبرُ مكانَها منَ النظم، وحسنَ مُلائمةِ معناها لمعاني جاراتها ..." [2] "
تكاد تتفق المدارس اللسانية المعاصرة مع الدراسات التراثية للغة من حيث إن اللغة ظاهرة إنسانية وأنها وسيلة اتصال ووعاء فكر، ولذا حظيت باهتمام العلماء واللغويين على مختلف جنسياتهم وألسنتهم، وليس غريبًا والناس جميعًا من جلدة واحدة يحتويهم رحم واحد، أن تبقى نقطة التقاء بين فكرهم اللغوي، فتنبثق عنه النظريات اللغوية وظواهرها على بعد المسافات واختلاف الألسن واللهجات، ويبدو ذلك واضحًا في التقارب - مثلًا - بين عبدالقاهر الجرجاني وتشومسكي، ودي سوسير، وفيرث، والتداوليين، ومن لف لفهم من اللسانيين المحدثين والمعاصرين، في دراستهم للغة من خلال نظرياتهم اللغوية: نظرية النظم، والتوليدية التحويلية، والسياقية والتداولية.
إن من يطلع على النظريات اللغوية يجد اتفاقًا شديدًا بين المدارس اللغوية؛ حتى ليظن أن ثمة تأثيرًا وتأثرًا بين الفكرين، وقد يبدو الشبه واضحًا بين عبدالقاهر وتشومسكي، في الفكرة والتطبيق، فبينما ينظر الجرجاني إلى النظم - مرتكزًا على معاني النحو - وقد اعتبره الإبانة على مختلف المعاني الموجودة في الكلام، ووظيفته تتعدى ذلك إلى بيان حسن الجودة وتعليل الرداءة [3] . كذا الأمر مع نظرية"فيرث"سيجد تطابقًا شديدًا بين المنهجين، مما يقوده للحكم بأنه لا بد من حدوث نقل أو تقابل والتقاء أو تتلمذ، والأمر واضح تمامًا عند التداوليين، فما أشبه المبادئ التداولية بما جادت به قريحة الجرجاني، وتم رصده في كتابه القيم"دلائل الإعجاز"، ومهما يكن من أمر فإن هذه المدارس يجمعها التحليل اللغوي في ضوء المواءمة بين اللفظ والمعنى.
(1) دلائل الإعجاز، بتحقيق: محمود شاكر، مطبعة المدني، دار المدني بجدة، ط 3، 1412 هـ/ 1992 م، ص 46
(2) السابق، ص 44
(3) ينظر: التراكيب النحوية وسياقاتها المختلفة عند الإمام عبدالقاهر الجرجاني، صالح بلعيد، ص 219