الصفحة 31 من 35

يشكل، وحتى لا يحتاج في العلم بأن ذلك حقّه وأنه الصواب، إلى فكر وروية فلا مزيّة. وإنّما تكون المزيّة ويجب الفضل إذا احتمل في ظاهر الحال غير الوجه الذي جاء عليه وجهًا آخر، ثم رأيت النّفس تنبو عن ذلك الوجه الآخر، ورأيت للذي جاء عليه حسنًا وقبولًا تعدمهما إذا أنت تركته إلى الثاني" [1] ."

وهكذا يتفق الجرجاني ورواد التداولية على أن الأفعال المباشرة لا تحتاج إلى تبيين؛ حيث يستطيع المتلقي الوصول إلى مراد المتكلم بإدراكه القوة الإنجازية ومراد المتكلم، أي"يفترض في الفعل المجازي المباشر أن لا تكون به حاجة إلى تبيين لأي معنى زائد، فهو يقدم منطوقًا محدودًا واضحًا لا يحمل التأويل ولا يقصده، وهذه الخصيصة تنبع من المباشرة التي سُمي الفعل في ضوئها بالإنجازي المباشر" [2] وهي تتمثل في: التأكيد، والقسم، والتعجب، والاستغاثة، والاستفهام بأغراضه الدلالية.

أما الأفعال غير المباشرة، فهي الأفعال التي معناها الدلالي جاء مخالفًا الأصل، كما قرر الجرجاني في نظرية النظم أن ما خالف الأصل يستلزم غير الظاهر، كما عرض للأفعال غير المباشرة على مستوى معنى الخطاب، وذلك عند التعبير بالمفهوم عن القصد [3] .

وهكذا يمكن القول إن التداولية وأسسها ومبادئها، ليست جديدة على الدرس النحوي عند العرب ولا سيما عبدالقاهر الجرجاني، فقد بدا واضحًا أن اللسانيات الحديثة تكاد تكون متأثرة بالدرس اللغوي للعربية.

(1) دلائل الإعجاز، ص 187

(2) الفعال الإنجازية، ص 98

(3) ينظر: الأفعال الإنجازية، ص 137، ودلائل الإعجاز، ص 51 .... يقول الجرجاني:"اعلم أن لهذا الضرب اتّساعا وتفنّنا لا إلى غاية، إلّا أنه على اتساعه يدور في الأمر الأعمّ على شيئين: «الكناية» و «المجاز» . والمراد بالكناية هاهنا أن يريد المتكلم إثبات معنى من المعاني، فلا يذكره باللفظ الموضوع له في اللغة، ولكن يجيء إلى معنى هو تاليه وردفه في الوجود، فيومئ به إليه، ويجعله دليلا عليه، مثال ذلك قولهم: «هو طويل النجاد» ، يريدون طويل القامة، «وكثير رماد القدر» ، يعنون كثير القرى، وفي المرأة: «نؤوم الضّحى» ، والمراد أنها مترفة مخدومة، لها من يكفيها أمرها، فقد أرادوا في هذا كله، كما ترى، معنى، ثم لم يذكروه بلفظه الخاص به، ولكنهم توصّلوا إليه بذكر معنى آخر من شأنه أن يردفه في الوجود، وأن يكون إذا كان. أفلا ترى أن القامة إذ طالت طال النّجاد؟"

وإذا كثر القرى كثر رماد القدر؟ وإذا كانت المرأة مترفة لها من يكفيها أمرها، ردف ذلك أن تنام إلى الضحى؟ .. دلائل الإعجاز، ص 51

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت