هذه الآية بيَّن الله تعالى فيها أنَّ من كفر بالله من بعد إيمانه فعليه غضب من الله وله عذاب عظيم لأنه استحب الحياة الدنيا على الآخرة، ويشمل ذلك: - من كفر بالله جادًا وقاصدًا- ويشمل من كفر بالله هازلًا أو لاعبًا أو ساخرًا، ويشمل من كفر بالله خائضًا ولا يشمل من كفر بالله مكرهًا واطمئن قلبه بالكفر. لأن الله تعالى لم يستثنِ من الكفر إلا من قارف الكفر مكرهًا واطمئن قلبه بالإيمان؛ وبيَّن الله سبحانه أن ما عدا هذا الصنف من الناس فإنه يكون كافرًا لأنه مستحبٌ للحياة الدنيا على الآخرة؛ فمن كفر بالله قاصدًا فقد استحب الحياة الدنيا على الآخرة؛ ومن كفر هازلًا فقد استحب الحياة الدنيا على الآخرة؛ ومن كفر خائضًا فقد استحب الحياة الدنيا على الآخرة؛ ومن كفر مُكرهًا واطمئن قلبه بالكفر فقد استحب الحياة الدنيا على الآخرة؛ قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [النحل: 107] .
وعن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، قال أخذ المشركون عمار بن ياسر يعذبوه فقاربوه في بعض ما أرادوا به، فشكا ذلك إلى رسول الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"كيف تجد قلبك؟ قال عمار: مطمئنا بالإيمان، قال رسول الله: فإن عادوا فعد" [1] ولهذا اتفق العلماء على أن المكره على الكفر يجوز له أن يوالي إبقاء لمهجته. ويقول ابن كثير في تفسيره:"ويجوز له أن يأبى كما كان بلال -رضي الله عنه -يأبى عليهم ذلك، والأفضل والأولى أن يثبت المسلم على دينه، ولو أفضى إلى قتله" [2] . وهذه حالة العزيمة والأفضل والأولى حال الرخصة والمندوحة والجواز. والله أعلم.
(1) فتح الباري= لابن حجر العسقلاني 12/ 327.
(2) تفسير القرآن العظيم= لابن كثير لآية النحل 3/ 226.