الصفحة 22 من 57

المبحث الثاني: الفرق بين التكفير المطلق والتكفير المُعيَّن:

هذه المسألة أصل عظيم من أصول التكفير، يجب التأني بها وفهمها الفهم الصحيح لئلا تزل بها الأفهام والعقول، وكثير من التكفيريين والخائضين في التكفير لم يفطنوا للفرق بين التكفير المطلق والتكفير المُعيَّن، وقد فرق العلماء المحققون بين تكفير المطلق وبين تكفير القائل أو المُعيَّن، وهو فرقٌ عظيم من فتح الله عليه وتأمل في الأدلة، ثم سبر كلام أهل العلم في هذا الموضوع اتضحت له المسألة وتجلَّت، وسلم من الوقوع في خطأ المجازفة والخلط بإذن الله.

ومما جاء من الأدلة الشرعية ما يستنبط من هدي نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم لما فرق بين اللعن العام ولعن المعين، ما رواه البخاري في صحيحه عن عمر أمير المؤمنين رضي الله عنه أن رجلًا كان على عهد النبي وكان اسمه عبد الله، وكان يلقب حمارًا، وكان يُضحك النبي صلى الله عليه وسلم، وكان النبي قد جلده في الشراب، فأُتى به يومًا، فأمر بجلده، فقال رجل من القوم: اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تلعنه، فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله» [1] .

ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"فنهى عن لعنه مع إصراره على الشرب، لكونه يحب الله ورسوله مع أنه لعن في الخمر عشرة ... ولكن لعن المطلق لا يستلزم لعن المعين، الذي قام به ما يمنع لحوق اللعنة به، وكذلك التكفير المطلق والوعيد المطلق، ولهذا كان الوعيد المطلق في الكتاب والسنة مشروطًا بثبوت شروط، وانتفاء موانع" [2] .

وكان هدي السلف الصالح مثالًا يُهتدى، ومنهج يُترسح وإليك موقف الإمام المبجل أحمد ابن حنبل من الجهمية والخلافة الذين حملوا الناس على القول بخلق القرآن وامتحنوا العلماء من أجله ودعوا إلى هذه البدعة، ومع فتواه بأن هذا القول كفر، لم يُعرف عنه- رحمه الله تعالى- أنه كفر أحدًا بعينه، بل نقل عنه عدم تكفير الخليفة الذي تقلد هذه البدعة وعذبه وسجنه من أجل صبره على الحق ومخالفته إياه! فنقل عنه قوله لمبعوث الخليفة المعتصم إليه"أرى طاعته في العسر واليسر والمنشط والمكره والأثر، وإني لآسف عن تخلفي عن صلاة"

(1) صحيح البخاري رقم (6780) وانظر: فتح الباري (12/ 76 - 80) .

(2) مجموع الفتاوى (10/ 329.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت