الصفحة 31 من 57

وإنما معنى فهم الحجة أنْ يُخاطب بخطابٍ يفهمه فهمًا كليًا إجماليًا يقوم معه العلم الكلي الواجب، وعليه فلا يصح أن نُخاطب الأعجمي بلسانٍ عربي لا يفهمه، ونقرأ عليه القرآن وهو لا يفهمه ثم نقول: قد قامت عليه الحجة، فلابد أن يفهم فهم الصحيح اللائق شرعًا ولذا جاءت الآية بالسماع الذي هو وسيلة للفهم المطلوب فلم يقل النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث السابق: لا يفهم، بل قال: لا يسمع بي ... وكذلك قول الله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ} [التوبة: 6] . ولهذا لا يشترط كما فهم الحجة، وإنما يكفي فهم أصلها ومعناها الكلي.

وعلماء الدعوة الإصلاحية عُنوا بهذه المسألة في كلام علمائها قال الشيخ إبراهيم بن عبداللطيف في إجماع أهل السنة النبوية على تكفير المعطلة الجهمية في معرض كلامه عن الحُجة [1] :"فهمها نوعٌ وبلوغها نوعٌ آخر، فقد تقوم الحجة على من لم يفهمها"ا. هـ أي الفهم التام الكامل، حيث يكفي فهم أصل الحجة، والله أعلم.

المبحث الثالث ـ الشرط الثالث: القصد.

ومفهومه أن يريد قولًا أو فعلًا أو عقيدةً مريدًا لها بنية وعزمه متعمدًا لها في قلبه أو قوله أو فعله. لقول الله تعالي في آية الأحزاب: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [الأحزاب: 5] .

وهذا الشرط باعتبار القصد مراد لذاته في إيقاع التكفير وأحكامه ولوازمه على المُعيَّنين.

فالمقارف للكفر الأكبر قولًا أو فعلًا أو اعتقادًا ـ قد قصده وتعمَّده، غير متصف بحالٍ ضد ذلك من الخطأ أو التأويل أو نحوهما مما سيأتي له مزيد إيضاح في موانع التكفير إن شاء الله.

قال تعالى: {مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النحل: 106] .

(1) فتاوى الشيخ إبراهيم (1/ 159) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت