الصفحة 50 من 57

وقال ابن القيم - رحمه الله - في"إعلام الموقعين" [1] :"والله سبحانه وتعالى رفع المؤاخذة عن المتكلم بكلمة الكفر مكرهًا لمّا لم يقصد معناها ولا نواها؛ فكذلك المتكلم بالطلاق والعتاق والوقف واليمين والنذر مكرها لا يلزمه شيء من ذلك؛ لعدم نيته وقصده، وقد أتى باللفظ الصريح؛ فعلم أن اللفظ إنما يوجب معناه لقصد المتكلم به، والله تعالى رفع المؤاخذة عمن حدث نفسه بأمر بغير تلفظ أو عمل، كما رفعها عمن تلفظ باللفظ من غير قصد لمعناه ولا إرادة، ولهذا لا يكفر من جرى على لسانه لفظ الكفر سبقا من غير قصد لفرح أو دهش وغير ذلك، كما في حديث الفرح الإلهي بتوبة العبد، وضرب مثل ذلك بمن فقد راحلته عليها طعامه وشرابه في الأرض المهلكة، فأيس منها ثم وجدها فقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك"أخطأ من شدة الفرح"، ولم يؤاخذ بذلك ....". اهـ.

قال ابن عثيمين - رحمه الله:"ومن الموانع أن يقع ما يوجب الكفر أو الفسق بغير إرادة منه، ولذلك صور منها: أن يكره على ذلك فيفعله لداعي الإكراه لا اطمئنانًا به، فلا يكفر حينئذ، لقوله تعالى: {مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النحل: 106] ."

ومنها أن يغلق عليه فكره، فلا يدري ما يقول لشدة فرح أو حزن أو خوف أو نحو ذلك؛ ودليله ما ثبت في صحيح مسلم عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -قال، قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم:"لله أشد فرحًا بتوبة عبده حتى يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك! أخطأ من شدة الفرح" [2] .

(1) إعلام الموقعين=لابن القيم (3/ 63 - 64)

(2) مجموع لفتاوى والرسائل (3/ 343) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت