المعنى الإجمالي للمقطع الأول:
كانت آيات القرآن الكريم كالأضواء الكاشفة لظلمات جهل المشركين وفساد عقولهم وسوء تصرفاتهم فأرادوا أن يطفئوا نور الله بكل ما أوتوا من مكر وافتراء 0 فقالوا إن هذا القرآن اختلقه محمد واستعان ببعض بتلقينه أساطير الأولين ثم صاغها محمد بأسلوبه ونسبها إلى ربه ليضفي عليها صفة التقديس 0 وتكررت هذه الفرية من القوم كلما تحداهم القرآن الكريم وأظهر عجزهم 0 ولكن موضع الضعف في مقولتهم هذه من جانبين:
الأول: أن محمدًا -صلى الله عليه وسلم- الذي جاء بالقرآن لا يدعيه أنه منه وإنما ينسبه 'إلى ربه عز وجل، وهم لم يجربوا عليه كذبا قط 0 {فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} 0
الثاني: أن محمدا واحد منهم ومداركه العلمية التي تلقاها من بيئته لا تزيد على ما كان عند القوم، بل لعل بعض القوم كان لديه من الاطلاع والقدرات الكسبية أكثر منه، كقول الشعر والاطلاع على أخبار الماضين، وكان لبعضهم أسفار إلى أقوام وشعوب مما أكسبهم ثقافة لا عهد لقريش بها مثل النضر بن الحارث الذي كان يقول: إن لديه من قصص رستم واسفنديار وأساطير الفرس ما يضاهي به قصص القرآن 0 ومحمد -صلى الله عليه وسلم- معروف لديهم بأميته 0
حاول القوم تغطية هذه الفجوة في ادعائهم بأن قالوا: إنه اختلقه بالتعاون مع بعض أتباعه حيث زودوه بالمعلومات ومادة القصص، وصاغها محمد -صلى الله عليه وسلم- بأسلوبه البياني البليغ 0
لقد رد القرآن الكريم قولهم هذا بقوله {أم يقولونه افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين} يونس/3 - 8 0 إن الكلام المفترى لا يكلف صاحبه شيئا سوى السرد بعد تذويقه وإضفاء المسحة الجمالية عليه، فلو كان القرآن مختلقا مفترى من عند أحد من البشر لكانوا أقدر الناس على الإتيان بمثله، لأن طبائعهم تلائم الاختلاق والكذب، بخلاف نفس محمد -صلى الله عليه وسلم- المطبوعة على الصدق والأمانة والاستقامة 0