إن الرحمن قد سبقت رحمته غضبه، فهو يحسن إلى عباده في الدنيا كافرهم ومؤمنهم، فلا يقطع عنهم الرزق والرعاية، وسخر للجميع السنن الكونية، وأطلق للجميع السعي للتعرف عليها وتسخيرها لمصالحه {كلًا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورًا} الإسراء/20 0
ومن رحمته بعباده أن جعل في السماء بروجا، وخلق فيها السراج الوهاج والقمر المنير، فتولد من خلق الشمس ووضع نظام المجموعة الشمسية وفق تلك البروج الليل والنهار يخلف أحدهما الآخر، فهل من متدبر لدقائق صنع الله تعالى في هذه البروج والليل والنهار 0 فإن فيها الدلائل الباهرة على عظيم قدرة الخالق جل جلاله وواسع رحمته بعباده، مما يستوجب شكر المنعم على إنعامه ولطفه بعباده 0 [1]
مناسبة المقطع الثامن لمحور السورة:
محور السورة هو تصديق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من خلال معجزة القرآن، وهذا المقطع يصب في إبراز مهمة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وهي البشارة والإنذار، من خلال تبليغ الناس رسالة ربه المتمثلة في القرآن الكريم، وأن لا يتطرق اليأس إلى قلبه بسبب عنادهم واستهزائهم به وبما جاءهم به من الحق 0 واتهامه بالرغبة في الزعامة عليهم أو جمع حطام الدنيا 0
إن هذا المقطع رافد هام يصب في مجرى السورة وتيارها لإبراز شأن الرسالة وصدق الرسول في دعوته وصبره على الاستمرار في أداء مهمته 0
1 -هم الكافر ومبلغ علمه الحياة الدنيا وزينتها من المال والجاه والشهوات، لذا يتهمون المصلحين في كل العصور بأنهم يريدون ذلك المتاع بدعوتهم، ولا ترتقي مداركهم إلى الأجر الأخروي الذي يرغبون فيه، وما عند الله خير وأبقى 0
2 -على الدعاة إلى الله والمصلحين الذين يسعون إخراج الناس من الظلمات إلى النور، أن يتوكلوا على الله سبحانه وتعالى حق التوكل مع اتخاذ الأسباب الظاهرة، وأن لا يتطرق اليأس إلى قلوبهم إذا قابلهم الجاحدون المعاندون بالتهم الباطلة، والاستهزاء والسخرية فإن العاقبة لهم، ولهم الأجر الوافر عند ربهم يوم القيامة 0
(1) - يقول علماء الفلك: عدد البروج اثنا عشر برجا، وتنقسم إلى قسمين: شمالية تخص الربيع والصيف وجنوبية: تخص الخريف والشتاء 0 وبحلول الشمس في كل برج يختلف الزمان حرارة وبرودة، والليل والنهار طولا وقصرا 0 مما له الأثر الكبير في الحياة على الكرة الأرضية وسكانها 0 انظر روح المعاني للآلوسي 19/ 40 0 بتصرف واختصار 0