لتجذبهم إلى جوفها 0 وزفرت لتنفس عما في جوفها من الغيظ 0 إنه لمنظر رهيب ومصير تعيس ليس منه مفر، فهم يساقون إليها سوقا يجرون إليها بالسلاسل مقرنين بالأصفاد، يكبون فيها على وجوههم ومناخرهم، تتعاظم أجسادهم لتتسع دائرة مس العذاب حتى يكون ضرس أحدهم مثل جبل أحد، وغلظ جلده مسيرة ثلاث [1] ، ويضيق عليهم المكان حتى يكون كالزج للرمح، وفوق كل ذلك قرنت أيديهم إلى أعناقهم بالأصفاد والأغلال، فليس لديهم إلا الدعاء بالويل والثبور على أنفسهم 000
وحسب عادة القرآن في التزاوج بين الترهيب والترغيب، والإنذار والبشارة جاء ذكر ما ينتظر المؤمنين المتقين من النعيم المخلد بعد ذكر ما أعد للأشقياء التعساء المكذبين بالساعة 0
ويأتي ذلك في صيغة الاستفهام للتوبيخ والتقريع، ولما كان الدافع الحقيقي للمشركين في التكذيب بالساعة هو تعلقهم بمتعهم الدنيوية ورغبتهم في الاستمرار عليها، والإيمان بالساعة معناه انتهاؤهم وزوالهم عنها، جاء التأكيد على الخلود في مثوبة المتقين، فالجنة خالدة ولا تزول ولا تنتهي {قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون} الفرقان/15 0 ولقطع دابر الظن أو توهم زوالهم عنها جاء التأكيد على خلودهم فيها {لهم فيها ما يشاءون خالدين} الفرقان/16 0 وذاك وعد من الله عز وجل قطعه على نفسه {وعد الله حقا ومن أصدق من الله قيلا} النساء/122 0 {كان على ربك وعدا مسئولا} الفرقان/16 0 وبعد عرض تلك الصور المتقابلة لشقاء التعساء، ونعيم السعداء، يتجه السياق إلى تحديد المسؤوليات في الحياة الدنيا عن إضلال الضالين الناكبين عن طريق الحق 0
وتعرض الصورة الجديدة وقد حضر العابدون ومعبودوهم، كل عابد وما عبد من دون الله، يقفون في صعيد واحد، ويوجه السؤال إلى المعبودين سواء كانوا على علم بعبادة هؤلاء لهم أم لم يكونوا عالمين ولا راضين {000 فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل} الفرقان/17 0
وبدهي في هذا اليوم قول الحق والصدق 0 فلا مجال للإنكار أو الإخفاء، فأما المعبودون من دون الله من الذين لم يرضوا بعبادة الناس لهم كالملائكة والأنبياء والصالحين، والمخلوقات
(1) - انظر في ذلك ما رواه مسلم في صحيحه 0 باب النار يدخلها الجبارون، والجنة يدخلها الضعفاء 8/ 154 0