جعل الله الأرض مستقرا على النحو الذي يعرفه المتخصصون في دراسة علم الأرض، وسّطحها بالأنهار، وجعل لها جبالا ثوابت تمسكها وتمنعها من أن تميد وتضطرب، وجعل مانعا لئلا يختلط الأجاج بالعذب. والحجر: المنع.
وفي آية سورة الفرقان خصوصية ذكر"وحجرًا محجورًا"، وتشترك مع وصف ملتقى البحرين الذي ورد في سورة الفرقان في صيغتين في مرج البحرين، وفي البرزخ بينهما. يقول تعالى: {مرج البحرين يلتقيان * بينهما برزخ لا يبغيان} (الرحمن: 19 - 20) وفي آية سورة النمل خصوصية جعل حاجز بين البحرين. وهنا أريد وأرجو أن يوفقنى الله في تبيان وجه معجز من وجوه الإعجاز العلمي للقرآن. سأبدأ بطرح سؤال:
من أين تستمد محيطات العالم مادة قيعانها؟
الجواب يأتى من دارسى علوم الأرض والبحار: من جوف الأرض عند منتصف قيعان البحار حيث يوجد مراكز اتساع قاع البحر (Sea-floor spreading) (يرجع لشكل 12) وقيعان البحار مُسجّرة من منتصفاتها كما أشرت، وأشار غيرى عند شرح وجه الإعجاز العلمي في قوله تعالى"والبحر المسجور". للإختصار هنا أقول: حينما يحدث الخسف في قطعة من قطع الأرض التي أشرت إليها من قبل، يكون ذلك الخسف (Rifting) إيذانا بمولد المحيط، وتصعد الحمم من جوف الأرض من وشاحها عبر صدوع ذلك الخسف وتبرد، وينشأ من تلك الحمم اللبنات الأولى لقاع المحيط، وكلما صعدت الحمم قامت الحمم الحديثة بإزاحة الحمم المتجمدة السابقة فتشطرها شطرين، شطر يتحرك على يمين مركز الانتشار، والشطر الآخر على يساره. ومن ثم تتكون قيعان البحار من أشرطة من الصخور المتماثلة في أعمارها ومغناطيسيتها القديمة على جانبى مراكز انتشار البحار. وعلى سبيل التبسيط يمكن تشبيه قيعان البحار بكفي اليدين وقد فرج بينهما، والفرجة بينهما تمثل مركز اتساع قاع البحر الذي تصعد عنده مادة البحر الجديدة باستمرار، والأصابع تمثل مادة قاع البحر التي تزاح جانبًا على يمين ويسار الفرجة. ولذا فإن أحدث صخور قاع البحر في منتصفات البحار، وأقدمها في أطرافها.
وهنا أسأل سؤالًا آخرًا: أين تذهب مادة قاع البحر المتواجدة على أطراف القاع؟ هنا أيضا يأتي الجواب على لسان المتخصصين: أن مادة القاع القديم تهبط لأسفل إلى جوف الأرض عند ما يعرف بنطاقات الإنضواء (Subduction zones) . فتنصهر مادة القاع، ثم تعاود الصعود ثانية من عند مركز اتساع البحر. وكأن قشرة البحر في تجدد مستمر، تبنى عند منتصف القاع وتهلك عند أطراف قطعتى البحر المتباعدتين في ظاهرة أشبه بتيارات الحمل، ولكنها تتم في وشاح الأرض. (Mantle convection currents)
وبناءًا على ما سبق تأتى مادة قاع كل بحر من تحته من وشاح الأرض: تصعد من عند منتصف البحر، وتعود مادة القاع من عند حواف قطع قشرة البحر. وعند تجاور البحرين تمثل نطاق الانضواء حاجزا يفصل مادة قاع هذا عن مادة قاع ذاك. ومن المدهش أن حديث القرآن عن حاجز البحرين جاء ضمن منظومة قرارا الأرض وتكوين الأنهار وجعل الرواسى. والرواسى (Mountain chains) تتكون حقا عند نطاقات الانضواء. وسبحانه وتعالى القائل عز وجل: {أمن جعل الأرض قرارًا وجعل خلالها أنهارًا وجعل لها رواسى وجعل البحرين حاجزا .. } .