المحجور بينهما."ومرج"خلَّى وخلط وأرسل. قال مجاهد أرسلهما وأفاض أحدهما في الآخر"مرج البحرين"أي خلطهما فهما يلتقيان، يقال: مرجته إذا خلطته،"ومرج البحرين"خلّى بينهما، ويقال أجراهما."وجعل بينهما برزخا"أي حاجزا من قدرته لا غلب أحدهما على صاحبه،"وحجرًا محجورًا"أي سترا مستورا يمنع أحدهما من الاختلاط بالآخر فالبرزخ الحاجز، والحجر المانع.
والظاهرة التي تشير إليها الآية السابقة عرفها الإنسان قديما حيث يلتقى ماء النهر وماء البحر بالقرب من المناطق الساحلية، حيث يدخل ماء البحر عند حدوث المد البحرى ولكنهما لا يختلطان، ويبقى الماء عذبا تحت الماء المالح، وهكذا كان يرى خط فاصل بين ماء البحر الأبيض المتوسط المالح وماء نهر النيل العذب أثناء فيضان النيل، وذلك بالقرب من مدينة فارسكور التي تقع إلى الجنوب من مصب نهر النيل ببضع كيلومترات، وهناك مثال آخر، نهران يسيران في"تشاتغام"بباكستان الشرقية إلى مدينة"أركان"في"بورما"ويمكن مشاهدة النهرين، مستقلا أحدهما عن الآخر، ويبدو أن خيطا يمر بينهما مكونًا حدًا فاصلًا، والماء العذب في جانب، وملح في جانب آخر.
ولا أستطيع الجزم، إذا ما كان البرزح شئ والحجر المحجور شئ آخلا، أو أن كليهما مختلف عن الآخر. وبالتأكيد في حالة اختلافهما قد يكون بينهما علاقة قوية. وفي هذا الشأن يعلم دارسو علمى الأرض والجغرافيا أن هناك حدا معينا للعمق الذي يصل إليه قاع المجرى النهرى (vertical deepening) . ويحكم هذا العمق ما يُعرف بمستوى القاعدة التحاتى (Base level of erosion) ففي حالة النهر وروافده، يتحكم هذا المستوى في العمق الرأسى للروافد، بحيث يكون بين المجرى الأساسى والمجارى الفرعية علاقة توازن يأخذ كل مها ماءه بقدر. ويوجد نفس المستوى العام بين النهر والنهر المجاور له، أو بين النهر والبحيرة التي يصب فيها. ونفس الحال بين النهر والبحر المالح الذي يصب فيه. فعلى سبيل المثال هناك حدا للعمق الذي يصل إليه نهر النيل الذي يصب في البحر الأبيض المتوسط. ففي الأزمنة الجيولوجية، التي يتميز فيها سطح البحر بالارتفاع، نجد نهر النيل يرسب حملته حتى يرتفع مستوع قاعه ليعادل الزيادة في مستوى سطح البحر، والعكس صحيح يقوم النهر بتعميق مجراه في حالة انخفاض مستوى سطح البحر. والتعادل في المستوى هذا يجعل البحر لا يطغى على النهر، والنهر لا يبغى على البحر.
وقد كشف العلم عن وجه آخر من وجوه الإعجاز في الآية السابقة باكتشاف ما عرف بقانون الشد السطحى أو المط السطحى (Surface tension) ، الذي يفصل بين السائلين، حيث يختلف تجاذب الجزيئات من سائل لآخر، ولذا يحتفظ كل سائل باستقلاله في مجاله. ووفقا لقانون المط السطحى تتكون غشاوة مرنة على سطح السائل فيحول الغشاء هذا دون اختلاط ماء هذا البحر بماء ذاك البحر. ولعل تلك الظاهرة تمثل حجرا يحجر الماء في البحرين دون الامتزاج.
ويشير القرآن إلى حاجز البحرين حيث يقول الحق تبارك وتعالى: {أمن جعل الأرض قرارًا وجعل خلالها أنهارًا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أءله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون} (النمل: 61) . بعد أن