فهرس الكتاب
وهؤلاء هم عامة فقهاء الشافعية القائلين أن الواجب على المصلي إصابة عين الكعبة المشرفة، وفسروا ذلك بأن المقصود بالعين ليس حقيقة الإصابة لجدار الكعبة، بل هو استقبال عرفي بمسامتة الكعبة الشريفة مسامتة صورية، بحيث يعد عرفًا أنه متوجه إلى عين الكعبة.
نقل الإمام ابن حجر الهيتمي في تحفة المحتاج عن الخادم: (ليس المراد بالعين الجدار، بل هو أمر اصطلاحي، أي وهو سمت البيت وهواؤها إلى السماء، والأرض السابعة، والمعتبر مسامتتها عرفًا لا حقيقة) [1] .
وقال العلامة محمد الكردي الشافعي: (إن القائلين بالعين لم يريدوا الحقيقة، وهو ظاهر، وإلا لم تصح صلاة البعيد عن الكعبة) ، ونقل أيضًا عن صاحب الإيعاب قوله: (وإن قلنا الفرض العين، وذلك لما مرّ من اتساع المسامتة مع البعد، فمعنى استقبال العين أي المسامتة الصورية، وهذا هو الواجب مع البعد) [2] .
ومن خلال هذا التقرير لفقهاء الشافعية يتضح أنه مع البعد تتسع المسامتة وبالتالي يصير الفرض في الاستقبال ما يصدق عليه وصف المسامتة باعتبار العرف، لا باعتبار الحقيقة، وهذا يؤدي في مفهومه إلى تصور استقبال يميل إلى انحراف معين عن المسامتة الحقيقة للكعبة.
ولأجل النظر في الاستقبال وفق المفهوم العرفي، ودراسته من الجانب الهندسي، نقول أنه إذا استقبل المرء القبلة بصدره ووجهه، فسنجد من خلال التوازي الحادث بينهما أن استقبال الصدر للكعبة يطابق تمامًا استقبال وسطي ما بين العينين، فما يقال في استقبال الصدر يقال كذلك لوسطي ما بين العينين، فإذا كان استقبال الصدر حقيقيًا، فكذلك هو استقبال وسطي ما بين العينين، وإن كان عرفًا فعرفًا، إلا أن استخراج نهايتي حدي الاستقبال العرفي عبر العينين أدق وأظهر من غيره.
فغاية حد التيامن في الصورة العرفية عن المسامتة الحقيقة هو أن يقف المصلي بحيث يحاذي القبلة بوسط عينه اليمنى، وغاية حد التياسر أن يحاذيها بوسط عينه اليسرى، وفي كلا الأمرين فالقبلة واقعة عن المستقبل لها فيما بين وسطي العينين، أي أنها لم تغب عن احداهما أو تختفي، بل هي أمامه مما تلي وجهه، لذلك فإن كون الكعبة واقعة فيما بين وسطي عيني المستقبل لها، لهو مما يدخل بالضرورة ضمن الاستقبال العرفي، فالاستقبال العرفي هو نفسه مسامتة حقيقية للكعبة لكن مع ميل يسير متساهل فيه، لذلك نقل الكردي عن ابن رزين قوله: (وتجوز الصلاة إلى كل محراب موافق لمحراب جامع مصر المتفق عليه، وإلى ما فيه تياسر يسير عنه أو تيامن كذلك، بخلاف التيامن أو التياسر الفاحش، وأقل ما يتميز به، أن ما يطلق أهل العرف اسم الاستقبال عليه مع الميل، بحيث يشاهد لو قدر ذلك في استقبال شيء معين على بعد فهو يسير، وما لا يطلقون اسم الاستقبال عليه فهو فاحش) ثم قال: (وأقره جمع متأخرون، وتبعهم المصنف فقال: إن لم يفحش وهو أي الذي لم يفحش، ما يعده أهل العرف استقبالًا مع الميل) [3] .
(1) تحفة المحتاج بشرح المنهاج لابن حجر (1/ 172) .
(2) قرة العين بفتاوى علماء الحرمين للكردي، ص: (36) .
(3) المصدر السابق ص: (36) .