الصفحة 31 من 44

جهتين، ولم يخطر ببال أحد أن جهات العالم يمكن أن تفرض في ستٍ أو سبعٍ أو عشر أو كيفما كان، بل الجهات تثبت في الاعتقادات بناءً على خلقة الإنسان، وليس له إلا أربع جهات، قدام وخلف ويمين وشمال، فكانت الجهات بالإضافة إلى الإنسان في ظاهر النص أربعًا، والشرع لا يبني إلا على مثل هذه الاعتقادات) [1] .

وقال العلامة الكردي في فتاويه: (وقال الأسنوي في شرح المنهاج: الجهة أي إحدى الجهات الأربعة التي فيها الكعبة، بدليل صحة الصف المستطيل من المشرق إلى المغرب، وذكر نحوه الطبري، فالجهة التي فيها المحراب المذكور من الجهات الأربع، هي جهة المحراب، فما زال المجتهد لم يخرج عن جهة المحراب، لا يصدق عليه أنه اجتهد جهةً، لأنه لم يخرج عنها إلى جهة أخرى، حتى يقال عنه أنه اجتهد جهةً، وإذا لم يخرج إلى حد الجهة، فانحرافه عن المحراب من قبيل اليمنة واليسرة) [2] .

وهذا المعنى الذي ذكره الإمام الغزالي ومعه علماء الشافعية يقرره عامة الفقهاء عند حديثهم عن اشتباه المصلي في القبلة، فلو فرض أنه صلى بكل اجتهاد ركعة من الرباعية إلى جهة صحت صلاته إلى الجهات الأربع، لأن الجهة التي تحرى إليها صارت قبلته بطريق الاجتهاد فحين تحول رأيه إلى جهة أخرى صارت قبلته هذه الجهة في المستقبل، ولم يبطل ما أدى بالاجتهاد الأول؛ لأن ما أمضى بالاجتهاد لا ينقض باجتهاد مثله، فصار مصليا في الأحوال كلها إلى القبلة، لأن القبلة في أحدها [3] .

فلو كانت الجهات أكثر من أربع، لكان الواجب الصلاة بعدد الجهات، وحيث أنهم حصروها في أربع؛ فذلك دليل أن عدد جهات العالم أربع، ويصرحون أن القبلة في أحدها.

ومؤدى هذا القول بأن جهة القبلة في إحدى الجهات الأربع، فتقسم الدائرة أرباعًا، فيكون امتداد الجهة الواحدة (90) درجة لكل من اليمين والشمال (45) درجة، فهذا هو المقدار الجائز في استقبال القبلة، وما زاد كان خروجًا عن الجهة؛ وبالتالي هو خروج عن القبلة.

وهذا المقدار المذكور (45 درجة يمينًا و 45 شمالًا) هو ما يقدره جماعة من العلماء المعاصرين تحديدًا لمحاريب المساجد التي تعد متجهة إلى القبلة وتصح الصلاة فيها، وما زاد عنه كان انحرافًا عن جهة القبلة.

ومن خلال ما تقدم من اتجاهات الفقهاء في تحديد استقبال القبلة الجائز نستخلص الآتي:

1 -الاتجاه الأول لعامة الشافعية، وهو اتجاه"عين القبلة"، القائل بوجوب استقبال عين الكعبة عرفًا، وذلك بأن تكون الكعبة ما بين وسطي العينين، ومساحة ذلك تقدر بحوالي (20) درجة، فما زاد عليه كان انحرافًا يعد المصلي خارجًا به عن عين القبلة.

(1) إحياء علوم الدين للغزالي (2/ 265) .

(2) قرة العين بفتاوى علماء الحرمين للكردي (ص 45) .

(3) الحاوي الكبير للماوردي (1/ 346) مجموع النووي (3/ 201) كشاف القناع للبهوتي (1/ 312) بدائع الصنائع للكاساني (1/ 121) منح الجليل لعليش (1/ 237) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت