الصفحة 30 من 44

وسبق تفسير الإمام ابن عبد البر لكلام الإمام أحمد أنه: (يريد أن البلدان كلها لأهلها من السعة في قبلتهم مثل ما لمن كانت قبلته بالمدينة الجنوب التي تقع لهم فيها الكعبة، فيستقبلون جهتها ويتسعون يمينا وشمالا فيها ما بين المشرق والمغرب) .

ويؤكد ابن عبد البر على هذه السعة لأهل الآفاق ثم يختم كلامه بتقرير عدم الخلاف فيها فيقول: (وهو صحيح لا مدفع له، ولا خلاف بين أهل العلم فيه) [1] .

وما ذكره الامام ابن عبد البر يقرره جماعة من الحنفية والمالكية في تفسيرهم للانحراف اليسير وانه ما بين المشارق والمغارب.

-قال ابن نجيم الحنفي: (الانحراف المانع عندنا أن يجاوز المشارق إلى المغارب) [2] .

-وفي الفتاوي الهندية للأحناف أن الانحراف المفسد أن يجاوز المشارق إلى المغارب. [3]

-وفي حاشية الدسوقي المالكي: عن كلام بعض الشراح من أن التوجه للشرق أو الغرب من الانحراف اليسير والكثير إنما هو التوجه لدبر القبلة [4] .

وهذا القول يعني أن جهة قبلة المصلي ما بين يمينه إلى شماله، مما يؤدي إلى القول أن سعة امتداد جهة القبلة بالنسبة للمصلي لكل جهة من جهاته يمنة 90 درجة، ويسرة 90 درجة تقريبًا.

فهذا الرأي أوسع الآراء، حيث يجعل نصف الدائرة التي في اتجاه القبلة كلها قبله، مع التأكيد على تحري الوسط.

الاتجاه الرابع: أن الانحراف يكون بالخروج عن الجهة الصغرى:

والمقصود بالجهة الصغرى جهة من الجهات الأربع التي فيها القبلة من محيط الدائرة.

وأصحاب هذا الاتجاه هم القائلون بتقسيم العالم إلى أربع قطاعات، وهي: الشمال والجنوب والشرق والغرب، وجهة الكعبة الشريفة في إحدى هذه القطاعات الاربع.

وتقرير ذلك أن المرء إذا أراد أن ينظر إلى أفق جهات العالم كلها من مكانه فسيدور حول نفسه دورة كاملة، لأن مجموع الجهات تشكل دائرة كاملة، ومعلوم أن الدائرة إذا قسمت إلى أجزاء فإنها تحوي على (360 درجة) ، فإذا علمنا أمر الدائرة؛ فلن يبقى إلا معرفة عدد جهات العالم ليتسنى معرفة سعة كل جهة، وهي - على هذا الرأي - أربع، وهي التي أشارت إليها بعض النصوص.

قال حجة الإسلام الغزالي رحمه الله تعالى: (وأما دليل صحة الصورة التي صورناها، وهو حصر جهات العالم في أربع جهات، فقوله عليه السلام في آداب قضاء الحاجة، لا تستقبلوا بها القبلة ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا، وقال هذا بالمدينة والمشرق على يسار المستقبل لها، والمغرب على يمينه، فنهى عن جهتين ورخص في

(1) المرجع السابق (2/ 459) .

(2) البحر الرائق لابن نجيم (2/ 49) .

(3) انظر: شرح فتح القدير للسيواسي (1/ 270) وحاشية ابن عابدين (1/ 430) .

(4) حاشية الدسوقي (1/ 227) ، وهذا غير معتمد عند المالكية، ولهذا قال بعد نقله: (وهو ضعيف) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت