2 -إتمام الْحَج وأداء مناسكه على الوجه المشروع، فإن الْنَّبِيّ قال: (خذوا عني مناسككم) [1] ، فعنه تؤخذ مناسك الْحَج وأعماله، وهذا يقتضي أن يتفقّه الحاج في المناسك، ويحرص الحرص كله على أن يأتي بها على الوجه المطلوب، فيُحرِم ويلبي ويذهب إلى مِنَى في اليَوْم الثامن، ويقف بعَرَفَات في اليَوْم التاسع، ويرمي ويذبح ويطوف في اليَوْم العاشر، ويبيت بمِنَى أيام التشريق، ويتجنب ممنوعات الإحرام ومكروهاته، وإذا وقع منه شيء من ذلك جبره، والمقصود أن توافق حجته حجة الْنَّبِيّ قدر المستطاع، فإن الْحَج ليس سفرًا عاديًا، لكنه سفر ديني، وتكلفته من الجهد والوقت والمال تقتضي الحرص على تحقيق هدفه. فمن برِّ الْحَج الاجتهادُ في موافقته لهدي الْنَّبِيّ فيما قلَّ أو كثر، وعدم مخالفته لشيء من سنته عليه الصلاة والسلام، وقد نُقلت سنته لأمتِه في كلِّ موقف وقول، والتساهل في السنن قد يؤدِّي إلى التسَاهل في الواجبات والأركان، وقد تتوالى الأخطاءُ التي قد تفسِد الحجَّ أحيانًا، والخيرُ كلُّ الخير في تعلُّم هدي الرَسُول. ومن برِّ الحجّ التسليمُ للشارع، والانقياد لأوامر الله ورَسُوله، وحسن الاتباع فيما لم يُكشف عن معانيه ولو لم تُعلم الحكمة فيه، ها هو الفاروق عمر رضي الله عنه يقبِّل الحجرَالْأَسْوَد ويقول: (أما والله، إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أنّي رأيت رَسُول الله استلمك ما استلمتك) فاستلمه.
3 -الأخلاق التي يتخلق بها الحاج خلال رحلة الْحَج، سواء وهو محرم أو متحلل، فإن أعمال الْحَج لا تستغرق أكثر من ستة أيام، ولا تملأ الوقت كله، لكن الرحلة تستغرق قريبًا من شهر، ففي الإقامة، وفي المسجد، وفي الشارع، وفي المشاعر، وفي الحافلة، وفي الطائرة، وفي أي مكان، يجب أن يستحضر الحاج أنه في سفر الْحَج، وأن صفة البر قد تُسلب من حجه، فلا يكون مبرورًا إذا أساء الخُلق مع الحجاج أو مع سكان الحرمين.
وهذه الشروط الثلاثة مذكورة في قوله تعالى: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) [2] ، فها هنا شرط الإخلاص في قوله: (لِلَّهِ) ، وشرط الإتمام في قوله: (وَأَتِمُّوا) ، فقد يُؤتى الحاج من جهة الإخلاص أو من جهة الإتمام، أما الشرط الثالث ففي قوله تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي
(1) - أخرجه مسلم في الحج (1297) من حديث جابر بلفظ: (( لتأخذوا مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه ) ).
(2) - البقرة:196