فإنَّ الْمَدِينَة الْمُنَوَّرَة مُنَوَّرَةٌ بِأَنْوَارِ سَاكِنِهَا عَلَيْهِ أَفْضَل الصَّلاَةِ وَالسَّلاَمُ وهي طَيْبة الطيِّبة مهبطُ الوحي ومتنزَّلُ جبريلَ الأمين على الرَسُول الكريم، وهي مأرزُ الإيمان، وملتقى المهاجرين والأنصار، وموطن الذين تبوؤوا الدارَ والإيمان، وهي العاصمة الأولى للمسلمين، فيها عُقدت ألويةُ الجهاد في سبيل الله، فانطلقت كتائبُ الحق لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، ومنها شعَّ النور، فأشرقت الأرض بنور الهداية، وهي دارُ هجرة المصطفى، إليها هاجر، وفيها عاش آخر حياته، وبها مات، وفيها قُبر، ومنها يُبعث، المدينة هي محط موكب النبوة، وبها كان للإسلام قوة، منها سطعت شمس السُنّة، وفيها تمت المنة، وهي المدينة التي نصرت المختار، بسيوف الأنصار، بها حكم الشيخان، وولد السبطان، وعاش السعدان، وترعرع الزيدان، وأنشد الشاعران، كعب وحسّان. من المدينة خرج لبدر بجنوده، وزحف إلى أحد في حشوده، ومن المدينة بعث للملوك رسائله، وعلم الناس فضائله. هي بيت ضيافته، ودار خلافته، في كل مكان منها له ذكريات، وفي كل موضع له علامات.
ومِن فضائلِها:
1 -أنَّ الإيمانَ يَأْرِزُ إليها، كما قال: (إنَّ الإيمانَ لَيَأْرِزُ إلى المدينة كما تَأْرِزُ الحَيَّةُ إلى جُحرِها) [1] ومعنى ذلك أنَّ الإيمانَ يتَّجِه إليها ويكون فيها، والمسلمون يَقصِدونها؛ يدفعُهم إلى ذلك الإيمانُ ومَحبَّةُ الْنَّبِيّ العدنان و هذه البُقعةِ المباركةِ التي حرَّمها الله المنان. وفي حديث آخر قال رَسُول الله: ليس من بلدٍ إلا سيطؤهُ الدجال، إلا مَكَّة والمدينة. ليس له من نقابها نقب، إلا عليه الملائكة صافين يحرسونها، ثم ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات، فيخرج الله كل كافر ومنافق) [2] .
2 -أحب بقاع الارض الى الله بعد مكة المكرمة، فهذه المدينة المباركة شرَّفها الله وفضّلها، وجعلها خير البقاع بعد مكة، ويدل لتفضيل مكة على المدينة قولُ الرسول الكريم لمّا أخرجه الكفار منها واتَّجه إلى المدينة مهاجرًا، قال مخاطبًا مكة: (والله إنَّكِ لَخيْرُ أرضِ الله، وأَحبُّ أرضِ الله إلى الله، ولولا أنِّي أُخرجتُ منكِ ما خرجتُ) . [3] وقال: (من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها، فإني أشفع لمن يموت بها) . [4] .وأنَّ أبا سعيد
(1) - رواه البخاريُّ ومسلم.
(2) - رواه البخاري (1881) ومسلم (2943) عن أنس بن مالك رضي الله عنه.
(3) - رواه الترمذي، وابن ماجه، وهو حديثٌ صحيحٌ.
(4) - رواه الترمذي (5/ 377) . والحديث أخرجه ابن حبان كما في «الموارد» ص (255) ، وأحمد (ج 2 ص 74، 104) .