والحكمة في زيادة نصاب شهود الزنا:
أن الله تعالى جعل الشهادة على الزنا خاصة أربعة تغليظًا على المدعي وسترًا على العباد، (لأن الشهادات تتغلظ بتغليظ الشهود له) ، [1] وهو حكم ثابت في التوراة والإنجيل والقرآن. [2]
قال السرخسي [3] : (وليس في ذلك معنى سوى أن الله تعالى يحب الستر على العباد، ولا يرضى بإشاعة الفاحشة؛ فلذلك شرط في الزنا زيادة العدد في الشهود؛ ولهذا جعل النسبة إلى هذه الفاحشة في الأجانب موجبًا للحد، وفي الزوجات موجبًا للعان، بخلاف سائر الفواحش؛ لستر العباد بعضهم على بعض) . [4]
وقال بعضهم: إنما كان الشهود في الزنا أربعة؛ ليترتب شاهدان على كل واحد من الزانيين؛ كسائر حقوق، فيشهد على الزنى اثنان، وعلى الزانية اثنان، وهو ضعيف. [5]
من مسائل الآيات:
وقد تفرع على هذا الأصل خمس مسائل:
المسألة الأولى: نصاب الإقرار على الزنا.
1 -ذهب الحنفية والحنابلة إلى أن الإقرار على الزنا لا يثبت إلا بأربعة شهود؛ لأنه موجب لحد الزنا كالشهادة، واحتجوا بحديث أبي هريرة قال: أتى رجل من الأسلميين رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد، فقال: يا رسول الله، إني زنيت، فأعرض عنه، فتنحى تلقاء وجهه، فقال: يا رسول الله، إني زنيت، فأعرض عنه، فتنحى تلقاء وجهه، فقال: يا رسول الله، إني زنيت، فأعرض عنه، حتى ثنى ذلك أربع مرات، فلما شهد على نفسه أربع شهادات، دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أبك جنون؟، قال: لا، قال: فهل أحصنت؟، قال: نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ارجموه"، متفق عليه، وقالوا: قياسًا هادة في الزنا بجامع كونهما موجبين للحد."
(1) . المجموع 22/ 245.
(2) . تفسير القرطبي 5/ 83.
(3) . شمس الأئمة محمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي، فقيه أصولي حنفي، نسبته إلى سرخس بدلة قديمة من بلاد خراسان، كان عالمًا ناصحًا للحكام، وسجن بسب ذلك، وأملى كتابه المبسوط وهو سجين، وله كتاب كبير في أصول الفقه، توفي سنة 483 هـ، له ترجمة في تاج التراجم في طبقات الحنفية/18.
(4) . المبسوط 19/ 127.
(5) . تفسير القرطبي 5/ 79، والألوسي: أبو الفضل شهاب الدين السيد محمود البغدادي/ روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني/ضبطه وصححه علي عبد الباري عطية/ط 1/لبنان/بيروت/ دار الكتب العلمية/1415 هـ-1994 م 2/ 444.