وأجاب الجمهور: بأنه قياس مع الفارق من وجوه، منها:
الأول: أن العقوبات تدرأ بالشبهات، وفي شهادة المرأتين شبهة النسيان؛ كما قال تعالى: {أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى} . [1]
والثاني: أن معاملات الأموال تكثر؛ فاحتاجت إلى تسهيل؛ بخلاف غيرها، فالراجح ما ذهب إليه الجمهور.
المسألة الثانية: هل يقضى في الأموال بالشاهد واليمين؟ [2]
1 -ذهب الجمهور: بالحكم بالشاهد واليمين في قضايا الأموال، واستدلوا بما أخرجه مسلم [3] من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالشاهد واليمين.
2 -وذهبت الحنفية إلى أنه لا يقضى بالشاهد واليمين، واحتجوا:
-بأن حديث ابن عباس زيادة على نص القرآن في قوله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء} ، [4] قالوا: والزيادة على النص نسخ، ولا ينسخ المتواتر بخبر الآحاد.
-واحتجوا بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم:"البينة على المدعي، واليمين على من أنكر"، أخرجه الترمذي، [5] قالوا: فحصر النبي صلى الله عليه وسلم اليمين في المنكر، والبينة في المدعي.
وأجيب: أن الحديث جاء بزيادة بيان للقرآن، ولا شك أن السنة آحاد أو متواترة تبين القرآن، والزيادة ليست نسخًا؛ لأن النسخ رفع وإزالة، وليس في الحكم بالشاهد واليمين إزالة للحكم بالشاهدين، ومثل الزيادة المنفصلة الزيادة المتصلة في تقرير الحكم وبيانه.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم:"واليمين على من أنكر"، فليس فيه حصر اليمين في المنكر؛ وإنما فيه إشارة إلى أن اليمين نكون مع أقوى المتداعيين؛ فيكون مع المنكر لأن مع الأصل؛ كما يكون مع صاحب اليد، وكذا تكون مع الملاعن وفي القسامة، وغيرها، وأما قوله:"البينة على المدعي"، فقد دل
(1) . سورة البقرة 282.
(2) . ابن عبد البر: يوسف بن عمر القرطبي/الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار/ اعتنى به د. عبد المعطي قلعجي/ط 1/مصر/القاهرة/مؤسسة الرسالة/ 1413 هـ- 1993 م 22/ 46، كشاف القناع 5/ 375، ومغني المحتاج 4/ 590.
(3) . أخرجه مسلم باب/ القضاء باليمين والشاهد 3/ 1337.
(4) . سورة البقرة 282.
(5) . أخرجه الترمذي باب/ ما جاء في أن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه 3/ 626.