الصفحة 15 من 66

وفي الجملة فثم تلازم بين هذين المحورين إذ أن التلبيس على الناس قائم على تشويه الحق، وتحسين الباطل، وهما متقابلان، فما من مشوه للحق إلا وهو محتاج لتحسين ضده، ولذلك تجد المنفرين من الالتزام بالإسلام بإطلاق اسم (الأصولية) أو (التطرف) على أهل الحق يقابلون ذلك بإطلاق مصطلحات (الاستنارة) و (العقلانية) و (التقدمية) على المتحللين من أحكام الإسلام.

وهنا يحسن التأكيد على أن ثم علاقة بين واقع الأمة، وبين اهتمامها بالألفاظ الشرعية، والمصطلحات العلمية الإسلامية، فحيث كانت الأمة الإسلامية عزيزة قوية مهابة الجانب، كانت الألفاظ الشرعية هي السائدة، وإليها المردُّ عند الاختلاف، وحيث كانت الأمة واقعة تحت سلطان أعدائها مقهورة مغلوبة تجد الألفاظ الشرعية مهجورة منبوذة، ومصطلحات الأعداء تتلقف ويتهافت عليها أبناء الأمة، ويعدون التلفظ بها، والأخذ بما تعنيه من مدلولات وترديد تلك العبارات عين التقدم والتحضر [1] .

والناظر في التأريخ الإسلامي، يجد الألفاظ الشرعية تصيبها الغربة، حيث كانت غربة الدين، ولا يكاد يجد على مر العصور مثل غربة الحقائق، والألفاظ الشرعية في هذا العصر، خاصة مع المد الإعلامي المكثف الذي يراد منه صياغة العقل العالمي ليكون على رأي الأقوى، فتفرض المصطلحات بكثرة تردادها مرادًا بها بعض المعاني، فترسخ المصطلحات والألفاظ المطلقة بإزاء تلك المعاني، وتضيع الألفاظ الشرعية في ذلك الخضم الآثم الذي يراد منه الجناية على الشريعة وأهلها.

(1) ينظر بكر أبوزيد:"المواضعة في الاصطلاح" (73-90) وعبد الرحمن اللويحق:"الغلو في الدين": ... (53) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت