المبحث الأول
معنى الاصطلاح وأثره في الصراع الحضاري
إن العلم بحقائق الأشياء، والوعي بالمفاهيم يعد مدخلًا رئيسًا لتضييق دائرة الخلاف أو إزالته، إذ تجد جذور الخلاف عائدة في كثير من الأحوال إلى اختلاف المفاهيم، أو الجهل بحقائق الأمور، وهذا أمر يقع في كل الأمم يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله: (إن كثيرًا من نزاع الناس سببه ألفاظ مجملة مبتدعة، ومعان مشتبهة، حتى تجد الرجلين يتخاصمان ويتعاديان على إطلاق ألفاظ ونفيها ولو سئل كل منهما عن معنى ما قاله لم يتصوره فضلًا عن أن يعرف دليله) [1] .
ولذا نبه- رحمه الله- إلى خطورة أخذ الألفاظ بوصفها مطلقات ووجوب اقترانها بالتفسير؛ لكي يتضح المراد منها فقال: (] ففي هذه [المواضع يجب أن تفسر الألفاظ المجملة بالألفاظ المفسرة المبينة، وكل لفظٍ يحتمل حقًا وباطلًا فلا يطلق إلا مبينًا به المراد الحق دون الباطل، فقد قيل: أكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء، وكثير من نزاع الناس هو من جهة الألفاظ المجملة التي يفهم منها هذا معنى يثبته، ويفهم منها الآخر معنى ينفيه، ثم النفاة يجمعون بين حق وباطل، والمثبتة يجمعون بين حق ... وباطل) [2] .
إن تحديد المعاني مطلب أساسٌ لوضوح المراد، وتضييق دائرة الاختلاف.
قال رابو برت: (ولا يخفى ما في تحديد معاني الألفاظ من الفائدة، فكثيرًا ما يثور الخلاف بيننا في مسألة، ويشتد الجدال في موضوع، ويظهر أنَّ المتجادلين على خلاف فيما بينهم، وهم في الواقع على اتفاق، ولو حددت ألفاظهم لتجلى لهم أنهم على رأي واحد ..
وليس منشأ الخطأ في الفهم إلا الغلط في تحديد الألفاظ أو غموضها وتعقيدها،
(1) "الفتاوى" (12/ 114) .
(2) "المصدر نفسه" (12/ 551 - 552) .