الأخرى بالألفاظ والمصطلحات، وحين يكون القوم معادين للحق؛ فإنهم يحرفون الألفاظ والمعاني، ويغيبون القول الحقَّ فيها.
وإنما كان المصطلح أداة في الصراع؛ لأنه الوعاء المعبر عن العقيدة، أو الفكر، أو الرأي، ولذلك فإن كسر ذلك الوعاء غرض رئيس للمعادين، كما أن إفساد المصطلح، أو تغييره يمثل خطورة كبرى على العقائد، أو الآراء أو الأفكار لأي أمة، وبهذا كان الحفاظ على مصطلحات الأمة من جهة، وكشف مصطلحات الأمم المعادية من جهة أخرى ركنين أصيلين في عملية الصراع.
إن استخدام أعداء المبادئ للمصطلحات في الصراع الحضاري يقوم على محورين:
المحور الأول: جلب الألفاظ، والمصطلحات التي هي أعلام على معان سيئة، وإسقاطها على العقيدة أو الفكر أو المذهب أو الرأي الذي يعادونه، لتنفير الناس بجرس هذه الألفاظ - ناهيك عن معانيها - من ذلك الاعتقاد، أو المذهب أو الرأي أو مما يتضمنه من الحق، وممن حورب بهذا الرسل - عليهم الصلاة والسلام: (فأشدُّ ما حاول أعداء الرسول محمد - - صلى الله عليه وسلم - من التنفير عنه سوء التعبير عما جاء به [1] ، وضرب الأمثال القبيحة له، والتعبير عن تلك المعاني التي لا أحسن منها بألفاظ منكرة ألقوها في مسامع المغترين المخدوعين فوصلت إلى قلوبهم فنفرت منه، وهذا شأن كل مبطل) [2] .
وهذا ظاهر في قصص الأنبياء، فهم قد وصموا بالجنون والسفاهة والضلال.
وذلك كلُّه؛ لتضليل الناس، وتبغيض هؤلاء الرسل إليهم.
ومن ذلك أيضًا نقل المصطلحات التي تنشأ في أمة من الأمم معبرة عن ظاهرة خاصة وقعت لها إلى أمة أخرى؛ بقصد الإساءة إليها وتشويهها ففي صراع الأمم توجد مصطلحات نشأت في بيئة أمة معينة تمثل جزءًا من تاريخها، وتكون معبرة عن حالة تأريخية، ودينية خاصة بها، الأمر الذي يجعل نقلها إلى الأمم الأخرى - التي لا
(1) في الأصل (كما جاء به) ولعل الصواب ما أثبت.
(2) ابن القيم:"الصواعق المرسلة" (3/ 944) .