انشغل الكثير من علماء التاريخ والحضارة بدراسة عوامل قيام الحضارات، وأسباب نشوئها ومظاهر تميزها، وما قدمته من عطاء وإبداع، وأيضًا دراسة أسباب سقوط الحضارات وتراجعها، ولكن قليلة هي الكتابات التي توقفت عند القيم التي حكمت مختلف الحضارات الإنسانية، وهي - على قدر اختلافها وتنوعها - تحفل بالكثير من المشتركات التي يمكن التوقف عندها، ودراستها بتمعن، وأخذ القيم المستفادة منها.
وهذا ما هدف إليه الباحث، وجعله محور دراسته، والذي يمكن بلورته في سؤال مفاده: ما القيم المشتركة للحضارات الإنسانية؟ ولأن الحضارة لا يمكن أن تختزل في تعريف واحد، نظرا لتشابكاتها العديدة مع علوم إنسانية كثيرة، علما أن وراء كل تشابك حضاري / معرفي قيما؛ فقد سعى الباحث إلى دراسة هذه التقاطعات المعرفية، مع الأخذ في الحسبان خصوصية الرؤية الإسلامية للحضارة، وهي رؤية نابعة من سؤال الأمس واليوم الذي نطرحه على أنفسنا بصدد تقدمنا الحضاري: كيف ومتى.
في ضوء ما سبق جاءت خطة هذه الدراسة في مبحثين؛ الأول يتناول: القيم الحضارية وتقاطعاتها المعرفية، متناولا تعريفات القيم الحضارية ومفاهيمها من باب التأسيس المعرفي، ثم دراسة تقاطعات الحضارة مع معارف وعلوم عدة، ساعيا إلى استنباط بعض القيم في كل تقاطع معرفي.
في حين جاء المبحث الثاني:"القيم الحضارية - رؤية إسلامية"، ليناقش تعريفات الحضارة بشكل عام، وعلاقتها بالدين بشكل خاص، ونظرة الإسلام إلى الحضارة، مع إشارات عديدة إلى الحضارة الإسلامية في توهجها وأيضا في كبوتها، كما ناقش أزمة الحضارة المعاصرة، وما يرتبط بهذه الأزمة من مظاهر مثل العولمة وصراع الحضارات ... ، طارحا الباحث رؤية مفادها أن هذه الأزمة ليست أزمة مادية بقدر ما هي أزمة قيم وتصورات لها الكثير من الجذور والأسباب، مستخلصا أبرز القيم الحضارية الإنسانية، من منظور إسلامي.