بالقيم، فهي تعني الأبعاد النفسية والاجتماعية والخلقية الإيجابية التي تتولد عنها الحضارة، وأيضا تولّدها الحضارة.
يجدر بالذكر أن القيم تختلف عما يسمى بـ"مقاييس الحضارة"، التي يحكم بمقتضاها على الإنسان أو المجتمع في مستوى حضارته.
فمن أبرز هذه المقاييس: التحسن المعنوي وهو مقدم على التحسن المادي، لأن الغاية من التحسين هي: شعور الإنسان بالأمان والاطمئنان والكفاية وقيام مجتمعه على التفاهم والتعاون والمحبة. أما بالنسبة للماديات فلا حدود للمطامح فيها، وهي تتوقف على العقل الراجح الذي يستطيع كبح الطموح المادي، وقد تكون المخترعات كماليات وأعباء على الإنسان وقيودا عليه تحد من حريته [1] .
وتظل هذه المقاييس نسبية في حكمها، تختلف من حضارة لأخرى، ومن مجتمع لآخر داخل الحضارة الواحدة، ومن عصر إلى عصر، ولاشك أن إحساس الإنسان (مواطن الحضارة) بالسعادة والسكينة وتحقيق ذاته، وتنمية قدراته؛ لهي غاية عظمى. أما وجهة النظر التي تدعو إلى عدم الاهتمام بالمستوى المادي في مقاييس الحضارة، فلا يعني رفع شأن الجانب النظري (قضايا الفلسفة والفنون وغيرها) وإهمال الإبداع التطبيقي (الاختراعات العلمية في حقول العلوم والطب وغيرها) ، وإنما تعني: ضبط مؤشر الحضارات من الترف والرفاهية المادية؛ إلى توجيه جهود العلماء والمخترعين لحل مشكلات الناس، وتقلبات الطبيعة، والفقر، وقضايا البيئة، والأمراض وغيرها.
وسيسعى الباحث إلى استعراض الحضارة في تقاطعاتها المعرفية والفكرية - وما أكثرها-، وفي كل تقاطع، سنجد قيما راسخة أو متولدة.
يوجد ترابط معجمي بين المدينة والحضارة، فيقال للرجل العالم بالأمر الفطن:"هو ابن بجدتها وابن مدينتها، وابن مدينة أي العالم بأمرها" [2] . فالتمييز بين الحضارة والبداوة - عند العرب قديما - ارتبط بمعطيات مادية ومكانية بينهما، فأهل البداوة هم: أهل الوبر (شعر الإبل) ، وأهل الحدر (الأرض المنبسطة أو المتمددة التي لا يبنى عليها) ، أما أهل الحضارة فهم أهل المدر (كتل الطين
(1) انظر: الحضارة: دراسة في أصول وعوامل قيامها وتطورها، د. حسين مؤنس، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، ط 2، سبتمبر 1998 م، ص 57 - 59.
(2) لسان العرب، م س، مادة حضر، مج 8، ص 233.