المتماسك الشائع استخدامها في القرى)، وهم أهل الحجر (علامة على التمدن والعلو في البنيان) [1] .
وقد تطرقت المعاجم إلى مفهوم"الحضارة"من خلال مقابلتها بالبداوة والبادية والبدو، فالحضارة مرحلة سامية من مراحل التطور الإنساني، ومظاهر الرقي العلمي والفني والأدبي والاجتماعي في الحضر [2] .
إن البعد المديني له دور مهم في بناء الحضارات، بل تكاد تكون المدينة هي البقعة المكانية الأولى لقيام الحضارة، فأهل المدن يمتازون بالسلوك المهذب ورقة المعاملة Civility (ولا تغيب عنا الصلة بين كلمتي Civilisation وكلمة Civility) ، ففي المدينة يتجمع ما يقدمه أهل الريف والبادية من محاصيل وصناعات، وأيضا نبغاء العقول الذين يؤثرون الاستقرار في المدينة، حيث تعمل الصناعات وتتوافر المنتجات ورغد العيش النسبي، وتلاقي التجّار والتجارة، فتتلاقح العقول، ويُرهَف الذكاء، وتستثار عملية الإبداع، ويعكف أناس على إنتاج العلم والأدب والفنون [3] .
وقد أشار إلى ذلك ابن خلدون مقررا أن"الاجتماع الإنساني ضروري"، ويحدده أكثر:"ويعبر الحكماء عن هذا بقولهم، الإنسان مدني بالطبع، أي لابد له من الاجتماع الذي هو المدينة في اصطلاحهم وهو معنى العمران" [4] .
يرى ابن خلدون أن الاجتماع الإنساني ينشئ عمرانا، والعمران محدد هنا بالطابع المديني لا الريفي ولا البدوي، حيث يستقر الناس في بيوت ثابتة متجاورة، بأحياء متقاربة، ضمن مدينة كبيرة، وهذا يستلزم وجود"وازع يدفع بعضهم عن بعض؛ لما في طباعهم الحيوانية من العدوان والظلم .. ، فيكون الوازع واحدا منهم (يقصد حاكما أو ملكا) ، يكون له عليهم الغلبة والسلطان واليد القاهرة؛ حتى لا يصل أحد إلى غيره بعدوان" [5]
(1) الحضارة الإسلامية، د. السيد عبد العزيز سالم، د. محمد عبد المنعم الجمل، دار المعرفة الجامعية، الأسكندرية، د ط، 2002 م، ص 5.
(2) المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، دار الدعوة، استانبول، تركيا، د ت، ج 1، ص 181، وأيضا المعجم الكبير، ص 426.
(3) نشأة الحضارة، ول ديورانت، تعريب: زكي نجيب محمود، سلسلة مكتبة الأسرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2001، مجلد 1، 2، ص 5.
(4) مقدمة ابن خلدون، عبد الرحمن بن خلدون، تحقيق: د. علي عبد الواحد وافي، دار نهضة مصر للطبع والنشر، القاهرة، ط 3، ج 1، ص 337.
(5) مقدمة ابن خلدون، ج 1، م س، ص 338.