وهنا تكون الإشكالية في أن يتحول الأمر من صراع ثقافي إلى صناعة أعداء أو تخيل وجود أعداء، أي يتحول من الثقافي إلى السياسي والعسكري، فهذه مشكلة كبرى، ولن تحل من خلال ما طرحه هنتنجتون من خلال التفاهم بين النخب المثقفة والسياسيين، فهذا وحده لا يكفي، ولابد من السعي إلى قيم حضارية مشتركة بين البشر، أساسها التعايش، والحوار، والمثاقفة. وبعبارة أخرى: تبني قيم حضارية جديدة أكثر فاعلية بين الشعوب والحضارات والقادة وفي العلوم السياسية والحضارية، لا أن تقتصر على حوار وتفاهمات بين النخبة السياسية وهي محكومة بالمصالح الآنية والمنافع المتبادلة.
إن الحضارة في أسسها الثقافية مرتبطة بالدين بشكل جوهري لأنها"تجسيد لدين شعب ما"فكلٌ من الثقافة والدين يخدمان الهدف العظيم نفسه،"إن أي دين مادام مستمرا وعلى مستواه الخاص، يعطي معنى واضحا للحياة، ويقدم إطارا للثقافة، ويحمي جموع البشرية من السأم واليأس، ومن مهمات الثقافة أن تمنح الحياة الهدف والمعنى" [1]
وهذا أمر إيجابي حول علاقة الثقافة والدين، وهي علاقة متجذرة، وفق التفسير الأنثروبولجي، الذي يقرأ الثقافة - أي ثقافة - في ضوء الأبعاد المجتمعية التي نشأت فيها، وهي أبعاد لا يمكن تجاهلها. وقد أدان"إليوت"الحضارة الحديثة ورأى أنها باتت أكثر تعقيدا، وأن المجموعات الاجتماعية غدت أكثر تخصصا، وأن الفنون صارت أكثر صقلا، ولكن لم يكن هناك تقدم أخلاقي واضح [2] .
تنبع الرؤية الإسلامية للحضارة من منطلقات الدين الإسلامي، ونظريته الشاملة للكون والحياة وشؤون الناس، وهي نظرة تتجاوز الإطار الديني الذي يحصر الإسلام في العبادات وأداء الطاعات، إلى التربية الشاملة للفرد، وجعله إيجابيا في حياته الدنيوية، ساعيا للخير، وعمارة الكون، ناشدا مرضاة الله وجناته في الآخرة، ويمكن إيجاز هذه الرؤية في هذا التعريف:"إنها القيم والأخلاق والعقيدة الخلاقة، والخصائص الإنسانية العليا؛ التي ينفرد بها الإنسان عن الحيوان، وتكون دافعا له إلى تسخير ما خلق الله فيما أمر به" [3] .
ويلاحظ في هذا التعريف أنه ننطلق من تصورات الإسلام الكلية، الذي جعل غاية المسلم نيل رضا الله في الدنيا، والفوز بجناته في الآخرة، عملا بقوله تعالى:?قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي
(1) الثقافة: التفسير الأنثروبولوجي، ص 52. يعود هذا الرأي إلى ت. إس. إليوت.
(2) السابق، ص 52.
(3) الحضارة الإسلامية مقارنة بالحضارة الغربية، د. توفيق يوسف الواعي، دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، المنصورة، مصر، ط 1، 1988 م، ص 40.