لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ? [1] ولا يتأتى رضا الله - سبحانه وتعالى - إلا بالتزام المؤمن مجموعة من القيم والأخلاقيات والسلوكيات، تسمو بنفسه الإنسانية إلى مدارج عليا، فتتوحد ذاته مع رسالته الربانية، ويتخلص من أدران الشهوات الحيوانية، فلا ينظر إلا إلى عمارة الأرض باستغلال خيراتها حق الاستغلال، ونشر القيم العليا بين الناس، وأهمها الإيمان بالله، والعدالة، والمساواة بين الناس. وبهذا، فإن هذه الرؤية تجمع ما بين الاتجاه الروحي الذي يرى الحضارة أساسها بناء الفرد والرقي بمداركه، والسمو بقيمه ورؤاه وسلوكياته، وما بين الاتجاه المادي الذي يقيس الحضارة بمدى استثمار الإنسان لخيرات الطبيعة من حوله، وهو استثمار لا يهدف للنفع الفردي أو المجتمعي فقط، وإنما المسلم مأمور بذلك؛ تحقيقا لمفهوم الخلافة على الأرض الذي يجعل المسلم العابد خليفة لله على الأرض؛ فيعمرها، ويحسن استغلال ثرواتها. لذا، فإن المنطلق الديني هو أساس الرؤية الحضارية الإسلامية، وهو الذي يتجاوز المنطلقات العديدة التي توجد في حضارات أخرى ولكنها لا تحقق مقاييس الإسلام.
وهذا ما انتبه إليه ابن خلدون قديما، حيث يقرر أن الدعوة الدينية تكون أساسا قويا في بناء الدولة، ومن ثم تكون اللبنة الأولى في بناء الحضارة، فكم من الدول أقيمت وتهاوت، وندر منها ما صنعت حضارات زاهرة، فيقول في ذلك:"إن الصبغة الدينية تذهب بالتنافس والتحاسد الذي في أهل العصبية، وتفرد الوجهة إلى الحق، فإذا حصل الاستبصار في أمرهم، لم يقف أمامهم شيء؛ لأن الوجهة واحدة والمطلوب متساو عندهم، وهم مستميتون عليه، وأهل الدولة التي هم طالبوها (يقصد الأعداء) ، وإن كانوا أضعافهم، فأغراضهم متباينة بالباطل، وتخاذلهم لتقية الموت حاصل، فلا يقاومونهم وإن كانوا أكثر منهم، بل يغلبون عليهم ويعاجلهم الفناء، بما فيهم من الترف والذل" [2] . فلفظة"صبغة"يحيلنا إلى قول الله تعالي: صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ ? [3]
والصبغة مشتقة من الغمس في الماء أو الصبغة بلون ما وما شابه، وتعني أن يتغطى كامل الشيء بالصبغة، أما"صبغة الله"فهي:"دِينُ الله وفِطْرته"، وأيضا"كل ما تُقُرِّبَ به إلى الله فهو الصبغة" [4] فهي تعبير يشمل أن يكون المجتمع / الدولة / الحضارة مشمولة كلها بدين الله، وأن يسعى أفرادها إلى مرضاة الله سبحانه، فهذا من شأنه أن ينأى بالناس عن البغض والتحاسد والمنافسات الدنيوية والتكالب على المصالح والمناصب والترف والدعة، وهي آفات المجتمعات، ناهيك عن كونها
(1) سورة الأنعام، الآيتان: 162، 163.
(2) مقدمة ابن خلدون، ج 2، م س، ص 527.
(3) سورة البقرة، الآية 138.
(4) لسان العرب، م س، مادة صبغ.