الصفحة 32 من 40

معجلات الفناء لأية حضارة، لذا فإن تمسك المسلمون بصبغة الله وفطرته، سبيلهم إلى النصرة على أعدائهم.

ويطبق ابن خلدون نظريته تلك على أمة العرب حيث يقول:"إن العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين على الجملة. والسبب في ذلك أنهم لخلق التوحش الذي فيهم أصعب الأمم انقيادا بعضهم لبعض؛ للغلظة والأنفة وبعد الهمة والمنافسة في الرياسة، فقلما تجتمع أهواؤهم" [1] هذا وصف دقيق للعرب القاطنين في الجزيرة العربية قبل الإسلام، وهو وصف يرى أن الدين هو الأساس في بناء ملك للعرب (حضارةً ورياسة وترابطا) ، وهذا ما تحقق بالفعل، ولأول مرة في تاريخ الجزيرة العربية، حيث اجتمعت القبائل العربية بكل طباعها: الأنفة، وصعوبة الانقياد، الغلظة، التوحش، وعسر اجتماع قلوبهم لتعدد أهوائهم. وهي أخلاق لا يختص بها العرب فقط - كما يبدو في الانطباع الأول من كلام ابن خلدون - وإنما تتشابه فيها الأمم التي يغلب عليها صفة البداوة، وتسود القبلية في حياتها، خاصة لو عاشت في بيئة فقيرة في مواردها.

ويفصّل ابن خلدون هذا الأمر أكثر فيقول عن العرب:"فإذا كان الدين بالنبوة أو الولاية كان الوازع لهم من أنفسهم، وذهب خلق الكبر والمنافسة منهم، فسَهلَ انقيادهم واجتماعهم، وذلك بما يشملهم من الدين المُذْهب للغلظة والأنفة والوازع عن التحاسد والتنافس. فإذا كان فيهم النبي أو الوليّ الذي يبعثهم على القيام بأمر الله، ويذهب عنهم مذمومات الأخلاق، ويأخذهم بمحمودها، ويؤلّف كلمتهم لإظهار الحق؛ تم اجتماعهم، وحصل لهم التغلب والملك" [2] .

وهكذا يبيّن ابن خلدون أثر الدين في نفوس العرب، وهو أثر يشمل سائر الأمم والناس، ولعل اتخاذ العرب نموذجا لذلك - وقد تقدمت الإشارة إلى عيوبهم - لهو أقوى في الإقناع بأن ما انصلحت به أمة العرب، على كل ما فيها من عيوب نفسية، واجتماعية، ولكن المثال العربي حاضر في فكر ابن خلدون، لأنه المثل الأقرب له، والشاهد على فكره، لذا يواصل حديثه موضحا رؤيته المستقاة من الإسلام، والمطبقة بنجاح على أمة العرب فيقول معددا سمات العرب النفسية:"وهم على ذلك أسرع الناس قبولا للحق والهدى، لسلامة طباعهم عن عوج الملكات، وبراءتها من ذميم الأخلاق، إلا ما كان من خلق التوحش القريب المعاناة، لقبول الخير ببقائه على الفطرة الأولى وبعده عما يطبع النفوس من قبيح العوائد، وسوء الملكات، فإن (كل مولود يولد على الفطرة) " [3] .

(1) مقدمة ابن خلدون، ج 2، ص 516.

(2) مقدمة ابن خلدون، ج 2، ص 516.

(3) نفسه، ص 516.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت