الصفحة 33 من 40

يشير ابن خلدون إلى أمر مهم، يتصل بالطبيعة العربية، وهي صفاء نفسها، لبعدها عن ملوثات الحضارة: الترف والدعة وغيرهما، لذا هم الأسرع في قبول الحق والاستجابة للدعوات الدينية. وربما تعود سرعة الاستجابة إلى خلو أذهانهم مما يعكر صفوها من كلام الفلاسفة وتشكيكاتهم، التي تزرع الجدال في النفوس أكثر مما تساعد على الوصول للحقيقة، وهذا ملحوظ في الأمم ذات التراث الحضاري الفلسفي.

بداية، هناك إشكالية في التسمية: هل تسمى الحضارة الإسلامية أم الحضارة العربية؟ وبعيدا عن البعد القومي الذي روّجه دعاة القومية العربية في العصر الحديث، فإن بعض المؤرخين المسلمين يرون أنها حضارة عربية في المقام الأول لاعتبارين مهمين: الأول: العربية هي اللغة الأساسية التي سجلت بها إبداعات هذه الحضارة وهي الرباط القوي الذي ساعد على تحقيق وحدة فكرية بين أهلها. الثاني: أن العرب كانوا حجر الزاوية في بناء هذه الحضارة واللبنة الأولى فيها، وأن مختلف الشعوب - المسلمة وغير المسلمة - انضوت تحت الحكم العربي ومن ثم استعربوا، واكتسبوا مكانتهم السامية في ظل حكم العرب وفي رحاب دولتهم المترامية [1] .

أما المعارضون فيرون أن التسمية الأنسب هي الحضارة الإسلامية، لأننا نتحدث عن حضارة من صنع شعوب الإسلام، وليست من صنع الحكام العرب، وأن الشعوب غير العربية ساهمت بنصيب كبير وأساسي فيها، وكانت مساهماتهم لأنهم مسلمون يستظلون بثقافة الإسلام ولغته وليسوا خاضعين لحكم الجنس العربي، وأن الإسلام هو الرابط بين العرب الفاتحين والشعوب الأخرى، وكانت الشريعة الإسلامية هي الإطار القانوني التي شملت الجميع: عربا وغير عرب، كما أن النعت بالعروبة يؤجج حفيظة الشعوب غير العربية، فتتحرك نزعاتهم القومية، وهذا ما يفكك الأمة المسلمة فكريا ونفسيا [2] .

لذا الأفضل: التمسك بمصطلح الحضارة الإسلامية في مختلف الدراسات الحضارية والتاريخية والثقافية. وهذا لا يعني - كما يبدو للبعض - ضآلة عطاء الجنس العربي في مجرى الحضارة الإسلامية طيلة التاريخ الوسيط، فهذا من الخطأ المتواتر، حيث يقولون:"إن العرب لم يحملوا إلى غيرهم من الأمم إلا الإسلام. حقا إن الإسلام أثمن ما حمل العرب إلى الناس ولكنهم حملوا أيضا اللغة العربية، وهي أداة حضارية من الطراز الأول وحملوا كذلك حصيلة حضارية خاصة بهم، أنشأوها وتمت على"

(1) الحضارة الإسلامية، د. عطية القوصي، م س، ص 11، 12.

(2) السابق، ص 12.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت