الصفحة 34 من 40

أيديهم في الجاهلية" [1] فمن علوم العرب: استنباط الماء من الأرض وتسييره في قنوات في باطن الأرض أو على سطحها، وقواعد سليمة في علاج أمراض الإنسان والحيوان بالأعشاب وغيرها، أيضا كان لديهم وعي أصيل لقدر الإنسان وكرامته ولهم منطق واقعي وعملي وسليم ودقيق في التفكير، ومعرفة نظرية بطبائع البشر، وميل صادق لمحبتهم والتعاون، وكانت لهم قريحة صافية تحسن النظر إلى الأمور وتصل إلى لبابها دون تعقيد، وأيضا لهم أخلاق وقيم وتقاليد حسنة، مما جعلهم يضيفون الكثير إلى البناء الحضاري العام للأمة، فقد أضيف البعد الإسلامي والعربي إلى العلوم الحضارية عندما اتسعت رقعة الإسلام، ودخلت فيه أمم وحضارات شتى، بعضها أسلم واستعرب، واكتسب الخلال العربية، وبعضها الآخر أسلم ولم يستعرب، وبعضها القليل استعرب ولم يسلم، ولكنهم جميعا صبوا ما لديهم من عناصر حضارية على القالب العربي الإسلامي ضمن نسيج حضاري فريد [2] ."

في ضوء ذلك، يرفض العديد من المفكرين الإسلاميين أن ننعت المصادر الإسلامية بلفظة التراث الإسلامي، فيرى د. حسين مؤنس أنه لا يجب أن نقول تراثا،".. بل نقول الجهد الحضاري لأمم الإسلام لأن التراث لا يكون إلا لميت، وأمة الإسلام صاحبة هذا التراث الحضاري لازالت في عنفوان حيويتها وشبابها المتجدد .. ، لأن الحصاد يتجدد، وكذلك الجهد الحضاري لأمة الإسلام" [3] .

وهذا صحيح من منظور التقييم الحضاري، فتاريخ حضارة ما هو التنقيب عن أطوارها وآثارها ذات القيمة والتي ظلت محسوسة حتى اليوم، فلا يقف الأمر عند ما يمكن معرفته عن الحضارة اليونانية أو حضارة الصين في القرون الوسطى على سبيل المثال، وإنما الأهم هو أن يوضح لنا ماذا بقي من الحياة في هذا الزمان الغابر، وما تزال تفاعلاته ملموسة ظاهرة، فيتصل الماضي بالحاضر عبر الأجيال [4] .

يقال ذلك، في زمن تستعر فيه ما يسمى بمعركة التراث والمعاصرة، ولو أضيف إلى أتون هذه المعركة أن الإسلام ليس تراثا، وإنما هو جهد حضاري، لتغيرت النظرة لدى من يسمون أنفسهم أهل المعاصرة (الحضارة) ، لأن الحوار سينتقل من كونه معركة بين تراث قديم وحضارة معاصرة إلى حوار بين حضارتين، لكل منهما خصائصه ومنطلقاته وعطاءاته، لأن أهل المعاصرة - أو هكذا يدعون - ينظرون للماضي على أنه جامد، وللإسلام على أنه معيق، وللشعوب الإسلامية على أنها متخلفة عن الحضارة البشرية. أيضا، فإن نعت التراث الإسلامي بأنه الجهد الحضاري الإسلامي، يجعله قابلا للعطاء الحضاري، وليس مجرد خلفية معرفية وثقافية، يمكن الأخذ منه أو لا، وهو دوما معرض

(1) دراسات في الحضارة الإسلامية (بمناسبة القرن الخامس عشر الهجري) ، م س، المجلد الأول، ص 6.

(2) السابق، ص 6.

(3) السابق، من المقدمة، ص 3.

(4) تاريخ وقواعد الحضارات، م س، ص 19.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت