الصفحة 8 من 40

فقد جعل ابن خلدون وجود نظام سياسي أو ملك أساسا في نجاح الاجتماع البشري وإلا فإن نقيضه البغي، أي أن وجود الحاكم أساس في الحياة المدنية وليس فرعا.

والراصد لتاريخ الحضارات العريقة - صغرت أو كبرت - يرى أنها نشأت في رقعة جغرافية فيها من الميزات ما يؤهلها إلى قيام الحضارة واستمرارها، وقد قامت جل هذه الحضارات على شواطئ الأنهار، حيث الاستقرار للزراعة فتتكوّن القرى، ثم تُنشَأ المدن، وتُبْنَى الدولة، مثل الحضارات على شواطئ: النهر الأصفر (حضارة الصين القديمة) ، ونهر الفرات (حضارة بابل وآشور) ، ونهر النيل (الحضارة الفرعونية) [1] .

ويرى البعض أن السلوك المهذب أبرز سمات الحضارة وهو ناشئ من الإقامة في المدن حيث رغد العيش التي تنعكس إيجابا في سلوك الأفراد، حيث يرى"بروديل"أن معنى الحضارة"إنما يعارض معارضة تامة لفظ همجية، وأن هناك شعوبا حضارية كما أن هناك (شعوبا) أخرى متوحشة بدائية أو همجية، بل إن بعض هذه الشعوب المتوحشة ربما تتسم به من طبيعة طيبة، لم يُتفَق على تسميتها بالشعوب الحضارية" [2] .

في ضوء بحث العلاقة بين الحضارة والمكان، يمكن أن تبرز عدة قيم وهي: أن السلوك المهذب طابع أهل الحضارات، وأن الاستقرار المكاني قيمة حضارية أساسية تتبعها إقامة أحياء وعلاقات اجتماعية، وأن الاستقرار السياسي قيمة حضارية ثالثة، يتبعها وجود نظام يسيّر العمل في الدولة، وينظم العلاقات المالية والسياسية بين الأفراد.

يشير التعريف الاصطلاحي المعاصر للحضارة إلى أبعاد كثيرة - سيرد ذكرها بعدئذ-، حيث يستخدم اللفظ، بداية، للدلالة على: مجموع الحياة التي يحياها مجتمع من المجتمعات بما تتضمنه هذه الحياة من نظم في الحكم، ووسائل تحصيل المعاش وعلاقات اجتماعية، ومعرفة نظرية وعلمية، وقواعد سلوكية، وغيرها من المقومات التي تتمثل بها تلك الحياة [3] .

ففي اللغات الأوربية يُستخدَم لفظان رئيسان للدلالة على الحضارة، وهما: Culture & Civilsution، فلفظة Culture تعني الثقافة، وهي مأخوذة من الأصل اللاتيني بمعنى يحرث أو ينمي، وجاءت منها لفظة Agriculture وتعني الزراعة. وابتداء من القرن الثامن عشر أطلقت

(1) تاريخ وقواعد الحضارات، م س، ص 8، 9.

(2) تاريخ وقواعد الحضارات، فرناند بروديل، م س، ص 4.

(3) انظر: الحضارة الإسلامية، د. السيد عبد العزيز سالم، م س، ص 5.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت