الصفحة 15 من 40

المتمثل في عبادة الإنسان التي تجلت أولا في عبادة الروح الجماعية للمجتمع الهليني في مدنه الصغيرة، ثم تطورت أكثر لعبادة فرد تم تأليهه وكان أمامهم الطاغية الصقلي أو الملك المقدوني أو الامبراطور الروماني، وظلوا يتأرجحون بين عبادة الفرد، والجماعة، والملك، حتى استسلموا لديانتين: البوذية في الهند، والنصرانية في حوض البحر المتوسط، لأنهم شعروا أنه ليس باستطاعة الإنسان أن يؤله نفسه [1] .

إن العلاقة بين التاريخ والحضارة علاقة تلازمية، فليس هناك حضارة دون تاريخ، وقد يشمل التاريخ سير الأمم والملوك والنزاعات والحروب والقحط والخير، أما الحضارة فهي تعتني بمنجزات الإنسان في حقبة زمنية ما، وفي مكان ما، فالحضارة ناتج من نواتج دراسة التاريخ، وثمرة من ثمراته، فهي الأخص والتاريخ الأعم.

ومن زاوية أخرى، فإن الآثار والشواهد الحضارية تنهض قائمة على حوادث التاريخ، ومستوى تقدم الأمم، ويمكن من خلال هذه الآثار معرفة تاريخ شعوب وحضارات بكاملها، مثلما حدث مع حضارة المصريين القدماء، فقد تم معرفة تاريخها، عبر فك إشارات لغتها من قبل العالم الفرنسي شامبليون.

وإذا كان التاريخ سلسلة متصلة الحلقات، فإن الحضارات أيضا سلسلة، مع الأخذ في الحسبان أن التواصل الحضاري بين الأمم قائم، وأن الحضارات تتلاقح، وكل حضارة تبني على نالته مما وصلها من الحضارات السابقة، وهكذا، فإن التاريخ والحضارة يتشابهان في التتابع الزمني المتسلسل المتراكم، وفي أهمية الاستفادة من تجارب وخبرات الشعوب التاريخية، وهذا دور علماء الحضارات، أن يحولوا أحداث التاريخ وأخباره إلى تجارب تفيد البشر؛"لأن الأخبار ليست مجرد كلام مدون في الكتب إلى بل هي تجارب، والتجارب تبقى حية، بثمراتها" [2] .

فالقيمة المستفادة من علاقة الحضارة بالتاريخ تظهر في قدرة الحضارات ومفكروها وعلماؤها على الاستفادة من أحداث التاريخ، وخبرات الشعوب، وبدلا من أن تعاد وتتكرر نفس الأخطاء في حياة الأمم، يتم تلافيها، وبدلا من أن يعيد التاريخ نفسه أو تتشابه أحداثه، يتم تدارك هذا الأمر، لتكون المحصلة في النهاية: ثمرات على ثمرات، ودروس على دروس، وخبرات متراكمة. ومن حسن الحظ أن انتقال مشاعل الحضارة من أمة إلى أخرى، يحمل معه الكثير من تراث الأمم السابقة، لتضيف عليه، أو على الأقل تحفظه من الضياع.

(1) انظر تفصيلا: المرجع السابق، ص 36 - 37.

(2) الحضارة، د. حسين مؤنس، م س، ص 131.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت