الصفحة 14 من 40

وهذا يُفسّر بأن الجماهير قد تهدأ وتتحلى بسلوكيات طيبة، ماداموا يحصلون على خدمات متميزة، ويعيشون في مستويات معيشية عالية، ولكنهم في حالة خسارة هذه الأشياء، فسيصبحون أشبه بالأمم غير المتحضرة، التي يصفها فرويد أنهم"كسالى وغير أذكياء وليس لديهم الرغبة في التخلي عن الدوافع الغريزية"ويعلل ذلك بأن نمو الثقافة عضوي، بينما نمو الحضارة مصطنع، وستميل كل من الثقافة (مختلف الموروثات) والحضارة إلى الصراع مع ابتعاد أنساق نموهما كل منهما عن الآخر، وفي النهاية تصبح الحضارة قشرة مادية فارغة ومجردة من الروح المحركة، ومن ثم تنهار [1] .

في التقاطع المعرفي بين الحضارة والمجتمع، تبرز قيم أساسية، أبرزها: أن الحضارة نتاج مجتمعي ومحصلة جهود أفرادها: نخبة وشعبا. وأيضا: أن الحضارة ذات الطابع الإنساني المتسامح، تقبل الأقليات الدينية والعرقية المختلفة، ضمن بنيانها العام، وتعترف بإبداعاتهم، وتقدر عطاءاتهم. كذلك: فإن الحضارة ليست مظاهر مادية (مستوى معيشي رفيع) وإنما قيم خلقية ونفسية وسلوكيات مهذبة، تنطبع في الأفراد.

الحضارة والتاريخ: ينظر بعض المؤرخين إلى الحضارة بوصفها:"ثمرة كل جهد يقوم به الإنسان لتحسين ظروف حياته، سواء أكان المجهود المبذول للوصول إلى تلك الثمرة مقصودا أو غير مقصود، وسواء كانت الثمرة مادية أو معنوية" [2] .

وهذا التعريف ينظر للحضارة بمنظور زمني، حيث يرى التاريخ صاعدا، يتقدم بالإنسان من خلال ما يراكمه من معرفة وعلوم وفنون، فكثير منها ينتقل بين المجتمعات الحضارية سواء في طور النشأة أو القوة أو الأفول.

إن التاريخ يفيدنا في إقامة المقارنة بين الحضارات، فمثلا هناك حضارات أعلت من شأن الفرد، وجعلت منه إلها - حاشا لله تعالى -، مثل الحضارة الهلينية القديمة التي جعلت"عبادة الإنسان"أو مذهب الإيمان بالإنسان سبيلا لها، كما عبر عنها الفيلسوف الهليني بروتاجوراس Protagoras في القرن الخامس قبل الميلاد بقولته المشهورة:"إن الإنسان هو مقياس كل شيء" [3] ، وهذا أمر غير مستغرب، لأن الهلينيين أقاموا حضارتهم على أنقاض الحضارة المينوية التي سقطت تحت أقدام البرابرة الذين غزوها، ونشروا في بلدانها طباعهم البربرية، ولم يستطع الهلينيون أن يتخلصوا من هذا الميراث

(1) الثقافة: التفسير الأنثروبولوجي، م س، ص 47.

(2) الحضارة، م س، ص 15.

(3) تاريخ الحضارة الهلينية، أرنولد توينبي، ترجمة: رمزي جرجس، مكتبة الأسرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2003، ص 29.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت